إيران وإشهار الأمر الواقع

سياسة

تم النشر في 7 يناير 2021

عبدالوهاب بدرخان

ذكرى اغتيال قاسم سليماني، إدارة أميركية جديدة، اتفاقات تطبيع عربية - إسرائيلية، مصالحة خليجية... مناسبات عديدة تقاطعت وحفّزت إيران على تظهير خريطة انتشارها ونفوذها في المنطقة، بل في البيت الأبيض، وفقاً لتهديدات إسماعيل قاآني قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني بالثأر لقائده الراحل.

بدأت عملياً ورسمياً مرحلة جديدة تأمل إيران بأن تثبت خلالها، كما فعلت دائماً، جدوى القوة والتحدّي في إخضاع شعوب البلدان التي غدرت بها وخرّبتها، كما في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها. استعدّت إيران للتفاوض بتنشيط برنامجها النووي ولا تمانع معاودة تقييده لقاء رفع فوري للعقوبات من دون شروط، كي تواصل تخريبها من دون عوائق. لكنها رأت، استباقاً لأي شروط تتعلّق بصواريخها وسياساتها الإقليمية، التذكير بالأمر الواقع الذي بنته في محيطها.

انتظرت إيران عقدين كاملين لتصل الآن الى سنة المساومة الكبرى، وهذه قد تمتدّ الى سنوات. ومع أن نشاطها لـ "تصدير الثورة" وتفريخ الميليشيات بدأ في ثمانينات القرن الماضي وزاد في التسعينات، إلا أن مساره الاستراتيجي اتضح في العقد الماضي بدءاً بتحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الاسرائيلي عام 2000 ثم اغتيال رفيق الحريري في 2005 فحرب تموز 2006 وما تلاها من سيطرة فعلية على القرار اللبناني. في غضون ذلك سهّلت إيران الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 لتتسلل ميليشياتها إليه وتتوصّل عام 2006 الى تنصيب نوري المالكي رئيساً للوزراء، الذي شكّل تقاطعاً لـ "شراكة" أميركية - إيرانية، وبعد انسحاب الاميركيين (2011) أدار العراق بالوكالة عن طهران فاقتاده الى "دولة داعش". وخلال تلك المرحلة أصبح سليماني صانع سياسات بغداد، حتى بوجود الاميركيين لمحاربة الإرهاب، وتُخاض الآن معركته لـ "اخراج الاميركيين" انتقاماً لاغتياله.

في سوريا كان الإيرانيون في الكواليس يشاركون في تنسيق الاستراتيجية الدفاعية ويخترقون الأجهزة وأجنحة النظام، ثم ظهروا جزئياً غداة اندلاع الثورة، وبعد التدخل الروسي (2015) أصبحوا حريصين على إشهار وجودهم لحجز مقعد لهم في التسويات، ولم يعودوا متكتمين في استقدام ميليشياتهم متعددة الجنسية. وعلى رغم أن تدخلهم معروف في كل التفاصيل الحوثية في اليمن فإنهم تقصّدوا إرسال "سفير" الى الجماعة الانقلابية وكان حسن إيرلو نجم احياء ذكرى اغتيال سليماني في صنعاء.

شكلت تلك الذكرى فرصة لـ "شرعنة" الهيمنة الإيرانية على لبنان، إذ عمّده أمير علي حاجي زاده "خطّاً أمامياً" في مواجهة إسرائيل. وحين غرّد الرئيس اللبناني بأن "لا شريك للبنانيين في حفظ استقلال وطنهم وسيادته" لم يقل "لا شريك للدولة" ولم يردّ على الوقاحة الإيرانية بل اختار الغموض والابهام. أما الوضوح الفجّ فجاء كالعادة من الأمين العام لـ "حزب الله" بقوله إن "المقاومة هي التي تحمي لبنان وتحافظ على سيادته"، وكان يمكن أن يضيف أنها تحافظ على المرفأ والمطار ومنافذ التهريب الى سوريا وتقود البلد الى الانهيار.

(عن صفحته الرسمية - فايسبوك)