بين شغب واشنطن وانتشاء خصومها

سياسة

تم النشر في 12 يناير 2021

عبدالوهاب بدرخان

لم يكن مُتصوَّراً آخر لمصير رئاسة دونالد ترامب مختلفاً فهو رسمه بنفسه. استهلك نصف العام الأخير من ولايته في هندسة تحالفات قد تمكّنه من البقاء في البيت الأبيض، والنصف الآخر في صوغ سيناريوات لما بعد الفشل المحتمل في الانتخابات حتى لو أدّت الى زعزعة أسس النظام الأميركي. ومنذ بدأ التصويت المبكر راح يحذّر من التزوير، ومن "سرقة الانتخابات"، لكن الواقع عاكسه. أخفق في المناظرات وقبلها في إدارة أزمة الوباء وفي التعامل مع احتجاجات السود. انتزع شرائح من أصوات اليهود واللاتينيين، موقناً بأن الانقسام المجتمعي يعمل لمصلحته، غير أن الولايات الجمهورية تقليدياً خذلته. بقي أمامه إظهار الأريحية تجاه الخصم وتسهيل الانتقال المنظّم للسلطة، لكنه استبقه بـ "ممانعة" شعبوية صمّاء، الى أن استدعى "إرهابيين محليين"، كما وصفهم جو بايدن، لإنقاذ مستقبله السياسي. ظنّ أنه أقوى من المؤسسات، وفوق الدستور والقوانين، فانتهى مؤهّلاً للعزل لا لعودة لاحقة الى السباق الرئاسي.

استطاعت "الترامبية" أن تحدث انقلابات كثيرة، خارجية على الأخصّ، لكن من دون نتائج فعلية محسومة. أربكته روسيا وأربكها ولم يمكّنه الكونغرس من الاستثمار في مهادنتها. تحدّته الصين ولم يتمكّن من ترويضها فراكم "الضرائب" على تجارتها وحوّل المواجهة معها الى شبه حربٍ تنتظر من يشعلها. تفرّق من حوله الأوروبيون وأهان كبرى دولهم وأشعرهم للمرّة الأولى منذ سبعة عقود بأن أميركا غير معنية بأمنهم. انطبع ارثه الخارجي بـ "الدعم الأقصى" لإسرائيل مقابل "الضغوط القصوى" على إيران، ما أنتج "أقصى الظلم" للفلسطينيين والسوريين والعراقيين واليمنيين واللبنانيين وأفظع الاستهانة بمصائرهم.

لكن الانقلاب "الترامبي" الأكبر ظلّ من حصة أميركا نفسها، عابثاً بقواعد ديموقراطيتها، بحرمة كونغرسها، وبأمنها واستقرارها. هبط على حزبه الجمهوري دخيلاً طارئاً فتلاعب برجالاته وبعثر قيمه وتاريخه حتى لم يعد لهذا الحزب سوى همٍّ واحد: أن يمحو هذه الصفحة من سجله، كما علّقت مواقع التواصل حساباته. صحيح أن ثلاثة من الرؤساء الأربعة السابقين الذين تغيّبوا عن تنصيب من خلفهم كانوا جمهوريين، لكن الظروف لم تكن مشابهة الى حدّ يجعل بايدن يقول إن عدم حضور ترامب "أمر جيّد". لم يسبق أن بلغ التدهور حدّ الشكّ في أهلية الرئيس لامتلاك رموز استخدام السلاح النووي، كما أشارت نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب. ولم يحدث أن يناشد السيناتور ليندسي غراهام، الحليف القريب لترامب، أعضاء الإدارة البقاء في مناصبهم فقط لكي يثنوا الرئيس عن أي تورّط خارجي أو داخلي.

في لحظة واحدة عاد الى الأذهان كلّ ما قيل عن ترامب واعجابه بالمستبدّين وسهولة قراراتهم واستهزائهم بالقيم والمؤسسات، وعن الالفة الضمنية مع الرئيس الروسي وتقاربه الممسرح مع زعيم كوريا الشمالية وسعيه المحموم الى صفقة مع نظام الملالي وتواطؤه الحميم مع الرئيس التركي وهداياه الوفيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي... هؤلاء جميعاً ومعهم قادة "جمهوريات الموز" سيفتقدون ترامب الذي كيّف أميركا لتمكينهم من متابعة مآربهم، وطوّع قيمها فأتاح لهم بعد سقوطه لعن ديموقراطيتها والشماتة بها ونعيها، على رغم النموذج البرّاق الذي مثّلته اميركياً وعالمياً.

غداة المشهد الأميركي المذهل كان هناك ما يشبه الاحتفال في موسكو لأن "التغنّي بالديموقراطية انتهى" إذ باتت نسختها الأميركية "عرجاء بالكامل" (رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان)، ولأن "النظام الانتخابي الأميركي بالٍ" ولا يتماشى مع المعايير الديموقراطية "الحديثة" (الناطقة باسم الخارجية الروسية)، وبالتالي لم يعد ممكناً لأميركا إعطاء دروس أو الادعاء بأنها "منارة الديموقراطية" في العالم. موسكو وبكين وطهران وعواصم أخرى معذورة، فهي لم تقل يوماً أن لديها ديموقراطية أو أنها تطمح اليها، لكنها تنتهز المناسبة الآن لتشيد بأنظمتها وتجهر باحتقارها الحريات وحقوق الانسان.

لا يزال مشهد قصف "البيت الأبيض" (مبنى البرلمان الروسي) ماثلاً في الاذهان منذ العام 1993، ولم ينسَ أحد التعديلات الدستورية المتتالية (آخرها في تموز/ يوليو 2020) لإتاحة الرئاسة لفلاديمير بوتين حتى 2036. الناطقة باسم الخارجية الصينية رأت في شغب الكابيتول "مشهداً مألوفاً... كما في هونغ كونغ"، مع أن المقارنة لا تصحّ بين قمع منظّم للمحتجّين وشغب طارئ أفلت لفترة قصيرة من السيطرة. أما الرئيس الإيراني فاستخلص أن الديموقراطية الغربية "هشّة وضعيفة"، ربما لأن عدد الضحايا في واشنطن كان خمساً فقط، في حين أنه تعدّى الـ 1500 في احتجاجات 2019 في إيران.

قد يكون بعض مآخذ الشامتين صحيحاً، فالأميركيون استشعروا قبل سواهم خطراً على ديموقراطيتهم من داخلها، لكن سخرية الخصوم من الديموقراطية، لمجرّد أنهم لا يعرفونها، يطرح تساؤلات عن البدائل التي قدّمها هؤلاء وهل كانت نماذج جيدة لشعوبهم وللعالم. تستطيع أميركا تصحيح أوضاعها بتطوير آليات نظامها لأن أي خيار آخر مخيف ولا مصلحة لأحد غير "الترامبيين" في أن ينهار "السيستم". أما الآخرون فالأولى أن يتفكروا في أوضاعهم وكيف أنهم كلما صحّحوا عادوا غريزياً الى "شرعنة" التسلّط، على رغم أن شعوبهم تتوق كسائر الشعوب الى الحرية والمساواة والمشاركة والحقوق الإنسانية والعدالة، وهذه قد تكون صُوّرت على أنهم "قيمٌ أميركية"، أو غربية، لكنها في حقيقتها انسانية أولاً وآخراً.

الحدث الأميركي ازمة عالمية وليست أميركية فحسب، فحتى اشعار آخر لن يكون نظام دولي من دون أميركا. فضّل خصومها من دعاة التعددية القطبية أن ينسوا، وسط انتشائهم بالشغب، أن الكونغرس لم يؤخّر اعتماد نتيجة التصويت. لا شك أن مشاعر الخيبة والعار عمّت الولايات المتحدة، لكنها ترافقت بإصرار على محاسبة ترامب، لئلا يكرّر أي رئيس ما فعله، خصوصاً إذا كان رجل أعمال. لكن هل أن الديموقراطية الأميركية - الغربية في أزمة؟ نعم بالتأكيد، فهناك من جهة السياسات الداخلية التي انكشفت عنصريتها وتهميشها للأقليات وافرازها للتطرّفات، ومن جهة أخرى السياسات الخارجية القائمة على النزاعات الإقليمية والحروب بالوكالة. لم يخطئ وزير الخارجية الألماني بدعوته الى "خطة مارشال" مشتركة لإنقاذ الديموقراطية.

(عن صفحته الرسمية - فايسبوك)