مدينة مستباحة في بلد مستباح

سياسة

تم النشر في 4 فبراير 2021

عبدالوهاب بدرخان

تخريب طرابلس، لماذا؟ للقول إن النقلة التالية في لبنان لن تكون شيئاً آخر غير: الفتنة. للتذكير، كان هذا هو الخيار الذي وُضعت "ثورة 17 تشرين" أمامه، ولم ينسَ أحد أن التهديد بها جاء أولاً على لسان الأمين العام لـ "حزب الله": إما الفتنة أو الإبقاء على الوضع السياسي الذي أقامه "الحزب" وحلفاؤه. وهو لم يكترث يومذاك الى أن اللبنانيين توحّدوا في الشوارع والساحات. ومنذ اعتقدت منظومة الحكم أنها أخمدت "الثورة"، لم يعد لديها ما تتباهى به سوى فشلها وعجزها عن تفعيل نفسها، أما نجاحها الوحيد فكان مساهمتها المباشرة في سرقة أموال اللبنانيين، ومحاربتهم بإفقارهم، وفي النهاية بتخييرهم بين أن يثوروا وان يجوعوا.

تكرّرت في طرابلس سيناريوات بيروت لتشويه انتفاضة الغضب الشعبي واجهاضه وحرفه عن هدفه الأساسي. لا أحد يجهل أن طرابلس لم تعد بيئة "سنّية" صافية، بل أن القوى المهيمنة على البلد اخترقتها، مستخدمةً الرعاع في تلك البيئة كوسيلةً فاعلة لاصطناع "فتنة سنّية - سنّية" أو بين السنّة والجيش أو بينهم وبين الدولة عموماً، لأن السنّة عقبة أمام فرض "النظام البديل". هذه الظاهرة عُرفت في مناطق أخرى، وقد يُشار إليها بـ "سرايا المقاومة" أو "جماعة الأجهزة"، ويجري اصطياد عناصرها من بيئة العوز والبطالة وعصابات الأحزاب التي احتواها نظام الوصاية السورية وصنع بعضاً منها، وظلّت في خدمته أو أورثها لـ "حزب" الوصاية الإيرانية.

منذ مطلع الشهر الماضي توفّرت المعلومات لدى الأجهزة وغيرها عن "شيء ما" يُعدّ لطرابلس وفيها، وقد خُطّط في دمشق. وبعدما وقعت الواقعة بات الجميع يتحدّث عن "المندسّين"، مَن يشكو منهم بصدق أو يشير إليهم بخبث لأنه هو مَن أرسلهم من مناطق شتّى في مهمة تخريبية مبرمجة. لكن يراد للبنانيين أن يصدّقوا أن قوى السلطة وأجهزتها فوجئت أو خُدعت، وأن يصدّقوا أيضاً أن مَن الآتين من خارج المدينة "متضامنون" مع فقرائها. كان هناك تقصير أمني بلا شك، إذ أن فعاليات المدينة قلقت من محاولات متكرّرة لاجتياح الأبنية الحكومية قبل احراقها، وقلقت أكثر بعدما لمست في اتصالاتها بالمراجع الأمنية عدم وجود أوامر واضحة بالتحرك.

أكثر ما تردد في الأيام الماضية أن "المندسّين" معروفون، وأن العديد منهم أوقف رهن "التحقيق". إذاً فما المانع من اعلان من هم، وكشف مَن أرسلهم. السلطة حريصة على عدم اغضاب "حزب الله" والنظام السوري وحلفائهما المعروفين أيضاً، لذلك أصبح الكلام عن التحقيق في لبنان يعني، تعريفاً، أن اللبنانيين لن يعرفوا الحقيقة أبداً، والأمثلة كثيرة. لا يبحث القائمون على السلطة عن تنزيهها أو تبرئتها من المآرب السياسية الخاصة، لو كانوا مهتمّين حقّاً لكانوا جهروا بالحقائق ولو... "درءاً للفتنة"! لكنهم فضّلوا وضع تخريب طرابلس في سياق الصراع السياسي على الحكومة، وهو مكشوف في أي حال.

(عن صفحته - فايسبوك)