تغيير عقلية الحكم، هل فات الأوان؟

سياسة

تم النشر في 18 فبراير 2021

عبدالوهاب بدرخان

أثبت الرئيس ميشال عون أنه صاحب الكلمة والقرار في لبنان، ثم ماذا بعد؟ فلا الكلمة ولا القرار يمكن تصريفهما في تحريك الأزمة الشاملة التي غرق فيها اللبنانيون جميعاً. وأثبت حليفه "حزب الله" أنه، بالقتل والترهيب، صار "بعبع" منظومة الحكم الممسك بمفاصل الدولة والمؤسسات، لكن ماذا بعد؟ السيناريو الأمثل للحليفَين أن يقودا انقلاباً، هذا بسلاحه وذاك بـ "صلاحياته"، ليتخلّصا من طبقة سياسية لم تعد تلزمهما في إقامة سلطتهما "المقاومة" و"المكافحة للفساد". لا بدّ أن نيات انقلابية كهذه راودت الحليفَين، وإذا لم يكن أيٌّ منهما أفصح عنها علناً فإن بعضاً من أتباعهما سبق أن لمّح اليها متوعّداً بأن فلاناً وفلاناً من السياسيين سيكونون وراء القضبان. قد يجدان أن الوقت لا يزال مناسباً الآن، على رغم أنهما تأخّرا، فالبلد هابط سريعاً في هاوية الانهيار ويحتاج الى صدمة انقلابية، لكن ماذا بعد؟

المفارقة أن المؤتمن دستورياً على البلد لا يبحث عن حلول، أي حلول، أينما تكون، إنْ لم يكن إنقاذاً للبنانيين بطوائفهم كافةً فأقلّه إنقاذاً لحكمه وحزبه وإرثه، وحتى لصهره إذا شاء. الأكثر غرابة أن لا يتلقّف حلّاً يتمثّل كالمبادرة الفرنسية وأن لا يسارع الى تفعيلها، أيّاً تكن ملاحظاته عليها والتضحيات التي تتطلّبها منه، فأن يغصب نفسه على قبول سعد الحريري رئيساً للحكومة يبقى أهون من غصب الدولة على الارتهان لـ "حزب الله". واقع الأمر أن الرئيس غاضبٌ على القوى الدولية لأنها لا تطيعه، وربما يريد معاقبتها لأنها تعارض تحالفه مع "الحزب" ومشروع الإيراني، أو ببساطة لاعتقاده أنها مناوئة له شخصياً ومحابية للحريري شخصياً. القوى الخارجية لا تفضّل أحداً بل تقارب الأزمات بمعايير دولية وتعمل مع مَن يريد العمل لا مع مَن يريد التعطيل.

المكاشفة التي قدّمها الرئيس سعد الحريري لم تكن تسريبات بلا صوت وصورة وشهود، ولم تتخذ من ذكرى اغتيال والده وسيلةً لعبث اضافي في لعبة التعطيل. كانت مناسبة للتنبيه الى "فرصة ذهبية" ينبغي ألا يفوّتها لبنان. فثمة متغيّرات هو أن المبادرة الفرنسية كانت مدعومة من إدارة أميركية متقلّبة ومتصلّبة تجاه إيران، وصارت مدعومة من إدارة مهادنة. ثم أن الجولة الخارجية للحريري أظهرت استعداداً عربياً لدعم لبنان متى قام أولاً بواجبه تجاه نفسه: أن تكون لديه حكومة وبرنامج إصلاحي، وإلا فكيف ستتعامل الدول معه.

لعل أهم ما ورد في تلك المكاشفة الحريرية القول بوجوب "تغيير العقلية". فهذا ربما يلخّص ما سمعه الرئيس المكلّف في باريس وغيرها، كما يعكس فهمه لـ "حكومة المهمة" التي يسعى اليها. المآسي التي شهدها لبنان كافية لتغيير العقلية لكن قد يكون فات الأوان. ما يؤكّد الحاجة الى هذا التغيير ضرورة الجدّية في استعادة العلاقات العربية والدولية وصونها كـ "خطّ أحمر" للمصلحة الوطنية، لا أن يبقى لبنان منصة يسخّرها "حزب الله" لخوض معارك إيران مع العالم.

(عن صفحته - فايسبوك)