أيّ علاقة أميركية مع السعودية والخليج؟

سياسة

تم النشر في 9 مارس 2021

عبدالوهاب بدرخان

طرح التقرير الاستخباري عن جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي أسئلة كثيرة، أهمها اثنان: الى أي مدى يمكن إدارة الرئيس جو بايدن أن تذهب في تطبيق القيم (الأميركية) واحترام مبادئ حقوق الانسان؟ وما انعكاسات التقرير والمراجعة السياسية التي سبقته على العلاقات السعودية (والخليجية) - الأميركية؟

لعل الإجابة المباشرة عن السؤال الأول جاءت من نائبة الرئيس كمالا هاريس حين أكّدت في مكالمتها مع بنيامين نتانياهو أن واشنطن تعارض "محاولات المحكمة الجنائية الدولية ممارسة الولاية القضائية على جنود إسرائيليين". أي أن الكيل بمكيالين يبقى سارياً لتمكين إسرائيل من الإفلات من العقاب والحصانة من المساءلة، على رغم أن المحكمة أمضت وقتاً طويلاً في درس الملف قبل أن تقرّر أن ثمة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تقع تحت ولايتها. فبماذا يوصف هذا الموقف الأميركي، وفي خانة أي "قِيَم" يُصنّف، وبماذا يختلف عن "اخلاقيات" دونالد ترامب وادارته، وهل أن جرائم إسرائيل جزء من هذه القيم؟ اعتاد العرب على أن استفهامات كهذه تبقى ضرباً من السذاجة والعبث، وأن عليهم التسليم بأن ما يحقّ لإسرائيل لا يحقّ لغيرها، باسم تحالفها "المقدّس" مع الولايات المتحدة، حتى لو كانت هناك دول غربية كثيرة تتشارك وأميركا القيم نفسها لكنها لا تقرّ إعفاء إسرائيل من المحاسبة على جرائمها.

وفيما تبقى جريمة قتل خاشقجي مستنكرةً في أي حال، ومستفظعةً بحسب توصيف القضاء السعودي لوقائعها، فإن التقرير الأميركي نفسه يميّز التعامل معها عن العلاقة بين الدولتين. وبالتالي فإن منطق "المصلحة الأميركية" الذي اتّبعه ترامب هو نفسه الذي يحكم أيضاً نهج بايدن الآن، ولو بإسلوب مختلف وعقوبات لمزيد من الأشخاص. وسبق لمنطق المصلحة هذا أن تغلّب في مراحل سابقة على منطق القيم وحقوق الانسان، سواء مع الصين وروسيا أو مع دول أخرى، بما في ذلك التعامل المتقلّب مع الأزمة السورية وإبرام اتفاق نووي مع إيران من دون أي مساءلة لنظامها عن سجله في حقوق الانسان أو أي ضوابط لسلوكه التخريبي في أربعة بلدان عربية... لذلك يصحّ القول، في هذا المجال، إن توقّع أداء مختلف وأكثر أخلاقية والتزاماً بالقانون الدولي لإدارة بايدن سيبقى قيد الاختبار.

هذا يحيل الى السؤال الآخر عن العلاقات الأميركية مع السعودية، واستطراداً مع دول الخليج التي تتشارك الحرص على استقرارها، وكذلك الانشغال بأمن المنطقة والتهديدات الإيرانية المستمرّة والمتصاعدة. كل المخاوف التي أثيرت في الآونة الأخيرة لم تكن واقعية، فالحقيقة المؤكّدة أن مصالح الطرفين، أميركا والسعودية، تجعل كلّاً منهما في حاجة الى الآخر، والعلاقة بينهما ومع دول الخليج كافةً باتت احدى ركائز الدور الأميركي في المنطقة، بأولوياته الدائمة التي تشمل: الأمن على مستوى الإقليمي، أمن الطاقة على المستوى العالمي، مواجهة التهديدات خصوصاً الإيرانية، مكافحة الإرهاب واستغلالات الدول له، التنافس مع الصين وروسيا... كلّها مجالات لا يمكن الولايات المتحدة أن تعبث بها من دون أن تجازف بالإساءة الى أمنها القومي ومصالحها المباشرة، أما الاعتماد الخليجي على حماية أو ضمانات أميركية فبات مسألة مفهومة نظراً الى الطبيعة الجغرافية للمنطقة، ومحسومة بفعل تهديدات الجار الإيراني ومطامعه المتعاظمة.

يمكن في المجال الأمني أن تُعزَّز الشراكات وتعمّق وأن يكون هناك تقاسم للأعباء، وهو ما لا تعارضه دول الخليج، خصوصاً أن تركيز الرأي العام الاميركي على الأولويات الداخلية بات ينعكس على السياسة الخارجية وخيارات التدخل العسكري التي قد يفكّر فيها أي رئيس. لكن هذا لا يعفي الجانب الأميركي من مسؤوليته لأن سياساته، صائبة أم خاطئة، تداخلت منذ زمن بمجمل النزاعات والصراعات الناشبة في المنطقة واختبأت وراء المصالح لتبرير إحجامها عن تبني أو فرض حلول متوازنة لها في الوقت المناسب. كان ذلك ينطبق حصرياً على المسألة الفلسطينية بسبب تماهي المصالح الأميركية والاسرائيلية، لكنه امتد الى سوريا حيث تشابكت مصالح روسيا وتركيا وإيران وإسرائيل، وإلى العراق واليمن تحديداً على خلفية المواجهة مع إيران واستعصاء التوصّل الى تفاهمات استراتيجية معها.

يُفترض ألا تقلق دول الخليج من إعطاء إدارة بايدن أولويةً لملف حقوق الانسان، بل يمكن أن تتخذ منه عنصراً مساهماً في استقرارها الداخلي من دون أن تخشى تدخّلات أميركية أو غير أميركية. على العكس، ما يجب أن تحذره هو استخدام هذا الملف وسيلة ضغط أو غطاءً لسياسات يُراد تطبيقها إمّا لمصالح أميركية بحتة قد لا تتلاقى مع مصالح الخليجيين والعرب عموماً، أو للبحث عن صيغٍ جديدة للتوازنات الإقليمية باعتماد إيران وإسرائيل وتركيا كقوى منتدبة اميركياً وغربياً لإدارة المنطقة. هذا يعني بالنسبة الى دول الخليج إعادة انتاج "شرطي الخليج" بشكل أو بآخر، وترسيخاً للتهديد الإيراني حتى لو اُرفق بنوع من التهادن مع الولايات المتحدة. إذ لم يتأخّر ظهور أصوات تعيد التبشير بدعوة باراك أوباما الى إيجاد "تسوية" سعودية - إيرانية "تخفض التوترات وتخفّف الأعباء عن الجيش الأميركي وتعزز مصالح أميركا".

مشكلة أصحاب هذه الدعوات أنهم من جهة يعرفون لكن يتجاهلون طبيعة النظام الإيراني وأهداف تسلّحه وعقيدته العسكرية وخطر الميليشيات التي زرعها في المنطقة ومدّها بصواريخ باليستية، ومن جهة أخرى يتهافتون على حلول مبتسرة لكنهم يخدعون أنفسهم قبل الآخرين إذ يروّجون لـ "تسوية" لا يمكن أن تتمّ أو تنجح بوجود العدوانية والتنمّر وانتشار الاحتلالات الإيرانية. الأفضل من التسوية هو الحوار الذي عرضته دول الخليج على إيران مراراً للتفاهم على علاقات قائمة على مراعاة حسن الجوار والتزام عدم الاعتداء واحترام المواثيق الدولية، لكن طهران التي لم تستجب هذه العروض لم تُقدِم على أي مبادرة تنم عن استعدادها لتطبيع سويّ مع دول الخليج أو عن تخلّيها عن مشروعها "الامبراطوري" الذي يرمي الى تغيير الهوية العربية للبلدان التي تمارس فيها ميليشياتها نوعاً من الاحتلال المحلي... ثمة تحديات كثيرة أمام السياسة الأميركية إذا كانت تتطلّع الى منطقة خليجية آمنة ومستقرّة، وبالأخص الى إيران كدولة طبيعية ذات سجل حقوقي غير دموي ويمكن قبولها في المجتمع الدولي.

(عن صفحته - فايسبوك)