وصاية دولية أم وصاية إيرانية

سياسة

تم النشر في 7 أبريل 2021

عبدالوهاب بدرخان

تتلاعب الأطراف السياسية بالأزمة الشاملة التي غرق فيها لبنان وكأنها ستبقى مستفيدة منها، ويبدي ممثلو الطوائف ثقة بالذات موقنين بأن نظامهم مجرّد من أي روادع ملزمة باحترام الدستور والقوانين، وطالما أن الجيش والأمن والأجهزة وتقوم بعملها، وهي "منهم وفيهم"، فهذا يعني أن ثمة "استقراراً" يحمي ظهورهم ولا خوف عليهم إلا من مواطنيهم الذين دهمهم الجوع وأصبحوا مستعدين لاستهدافهم في بيوتهم ومقارهم. في الأثناء تطمئنهم معارك الناس للحصول على الزيت والحليب والخبز، ولا يعتبرونها حافزاً على العمل لإنهاء معاناة مجتمعهم بل فرصةً لإبقاء الخطر بعيداً عن شخوصهم. بهذه العقلية الخبيثة تعاملت طبقة المافيا مع "ثورة 17 تشرين" ومع تبخّر ودائع المواطنين، ثم مع انهيار النظام المصرفي وتدهور العملة الوطنية، وأخيراً مع جريمة تفجير مرفأ بيروت، وقبل ذلك مع تهميش الدولة والمؤسسات كافة، ومع إلغاء "حزب الله" الحدود مع سوريا تكريساً لخطوط التهريب المفتوحة.

لا عجب، إذا، في تلاعبهم بالحكومة وتجريدها من صفتها كـ "سلطة تنفيذية" لتكون أداة سلطة في أيديهم. فالذين أقاموا "الحكومة" الحالية أفشلوها وفشلوا معها لكنهم يرفضون أن يعترفوا بالفشل أو أن يتعلّموا منه. فالبديل هنا هو الاعتراف بالحاجة الى المساعدة الخارجية، ومع أن المبادرة الفرنسية سهّلت الأمر عليهم إلا أن تركيزها على وقف الانهيار ومعالجة الأزمة، أي انقاذ البلد من فشلهم، أنذرهم بأنها ليست مبادرة لـ "إنقاذهم" ولن تفتح فرصاً لإعادة تأهيل فسادهم، لذا راحوا يقتلونها بالتقسيط. فهموا أن "حكومة الاختصاصيين" تنهي سلطتهم، بشكل أو بآخر، وفهموا أن لديها "مهمة انقاذية" تتطلّب دعمهم، لكن انقاذ البلد وشعبه ليس همّهم الأول، خصوصاً إذا كان سيقلّص من استحواذاتهم: لا مصلحة للحزب الحاكم/ "حزب الله" في "انقاذ" يحجّم تسلطه، ولا مصلحة لـ "التيار العوني" في "انقاذ" لا يكرّس جبران باسيل مرشّحاً وحيداً للرئاسة، وبين الحليفين تبحث حركة "أمل" عن تسويات سياسية للتوفيق بين "الإنقاذ" والمصالح الإيرانية لـ "حزب الله".

عملياً، يرفض "الحزب" وحلفاؤه المبادرة، وقد أصبحت الآن فرنسية - أوروبية - أميركية، لدوافع عدة بينها أولوية المساهمة بمعركة إيران لرفع العقوبات عنها، وبينها أيضاً أنها تفرض "وصاية مالية دولية" على لبنان، وهو ليس مخطئاً في ذلك، بل استشعره في مشروع "سيدر"، لكن مكابرته تمنعه من الاعتراف بأخطاء كثيرة ارتكبها في حق البلد والشعب، ومنها: أولاً اعتقاده بأن ترئيس حليفه لحماية سلاحه وتوطيد دويلته أولى من استقرار لبنان، وثانياً اعتقاده المستمر بأن عزل لبنان عربياً ودولياً لفرض "الوصاية الإيرانية" عليه يمكن أن يمرّ من دون انعكاسات على استقراره الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. دول كثيرة مرّت تحت "الوصاية الدولية" وتعاملت معها بجدّية للنهوض من كبوتها، من دون أن تفقد سيادتها. أما "الوصاية الإيرانية" فلا تسحق السيادة والدولة الشرعية فحسب بل تنشر الخراب، والأمثلة معروفة.

(عن صفحته - فايسبوك)