لقاءُ "براءةُ الذّمةِ" و"السّوق الحمراء" !

سياسة

تم النشر في 18 يونيو 2020

ملاك عقيل

ما هي النتيجة التقنية والسياسية لاجتماع بعبدا المقبل؟ باختصار لاشئ. كان ينقص فقط انضمام حاكم مصرف لبنان ورئيس جمعية المصارف ونقابة الصيارفة، "المضروبة" بنقيبها ونائبه وجيش من الصرافين، كي يكتمل مشروع منح براء الذمة لطبقة سياسية كان يفترض بانتفاضة 17 تشرين أن "تقبعها" وتحيلها الى تقاعد تأخّر سنوات.

لكن ها هي الطبقة إياها، مع "الضيف" الجديد على التركيبة الحاكمة حسان دياب، تجدّد "شبابها" على طاولة رئاسة الجمهورية في ثالث لقاء حواري على أجندة العهد، فيما الأرض تغلي وتنذر بأن مسلسل "الترقيع" لن ينفع مع أزمة ترتقي الى مستوى الفاجعة الوطنية.

لن يكون أفضل مثال على ذلك سوى طوابير الذلّ أمام محال الصيرفة كرمى لمئتيّ دولار، في مقابل "سوق حمراء" لا تزال ناشطة، أقلّ ما يمكن أن توصف بـ "الدعارة النقدية" ينتقل فيها بعض مدّعي العوز بدولاراتهم من الصيرفي المرخّص الى غير الشرعي ليقرّشوها باللبناني بسعر أعلى. بالتأكيد لا أحد من المَدعُوين الى لقاء بعبدا يملك جوابًا عن سبب تهافت اللبنانيين لأخذ دولاراتهم من محال الصيرفة بدلًا من سحبها من ودائعهم في المصارف. ولا أحد منهم بالتأكيد يستطيع أن يُطمئن المذعورين من المجهول عن المدى الزمني لقدرة مصرف لبنان على الاستمرار في ضخّ دولارات يبتلعها السوق كالـ "شفاطة"!

تلتئم طاولة بعبدا الخميس المقبل في ظل واقع سوريالي. رئيس الجمهورية يحاول، بحسن نية، إنقاذ ما تبقى من وجه العهد بـ "كرنفال وطني" لا يقدّم ولا يؤخّر وفكفكت بعض عقده من خلال لقاءات مصالحة جانبية لكنها بالتأكيد لن تكون كافية لدفع الجميع الى الحضور في ظل مقاطعة متوقعة من رؤساء الجمهورية والحكومات السابقين والنائب السابق سليمان فرنجية، فيما يشير مطلعون الى أن حضور سعد الحريري ووليد جنبلاط وارد جدًأ.

على ضفة رئاسة الحكومة يحضر دياب مع اقتناع مسبق بأن أكثر من نصف الجالسين على طاولة بعبدا يسعى ويتمنّى أن تطير حكومته "اليوم قبل بكرا" ومنهم من شارك مباشرة أو بالواسطة بمحاولة "الانقلاب" على حكومته.

أما الرئيس نبيه بري فيُتوّج مجددًا "حكيم الحكماء" وإن كانت الدراجات النارية المحسوبة على جماعته أدرجت قبل أيام على "لائحة العقوبات" بتهمة تخريب وسط بيروت. حضور الحريري، بالمقابل، سيكون على قاعدة تجديد خطوط تواصل انقطعت مع بعبدا بعد "هبوط" في توقيت غير متوقع في عين التينة المتهمة، مع حزب الله، من جانب فريق كبير من "المستقبليين" بتأجيج الفتنة!

لن يستوي هذا المشهد سوى مع تأكيد مطلعين أن "الرؤساء الثلاثة قد أبلِغوا مؤخرًا من جانب ممثلي صندوق النقد الدولي بعد أسابيع من انطلاق عملية التفاوض أن أصل الأزمة لا يكمن فقط في التعقيدات التقنية والأرقام والمقاربات بل أن الصندوق كمؤسسة اقتصادية دولية بات مقتنعًا بصعوبة التعامل مع التركيبة الحاكمة والسياسة النقدية المُتبعة".

وبرأي هؤلاء "قد تكون هذه الرسالة، إضافة الى دخول قانون قيصر حيّز التنفيذ، هو ما أدى الى الدعوة للقاء بعبدا الحواري والتي ظلّلت بتراجع دراماتيكي في موقف الحكومة من خطة التعافي الاقتصادي بعد إدخال جمعية المصارف شريكًا في القرار بما يعاكس الإعلان المالي من بعبدا في 8 حزيران الذي كرّس مشروعية أرقام الحكومة، والأهمّ تيقّن المعنيين بطبخة الحل بأن صندوق النقد قد لا يكون الخيار الوحيد المتاح في حال وصول المفاوضات الى الطريق المسدود"، مشيرين الى "تمسّك الصندوق بشروط أساسية لم يجد حتى الآن أي مؤشرات لها وهي ملف الكهرباء، استقلالية القضاء، وقانون المناقصات وشفافية المعاملات الحكومية، وخفض حجم القطاع العام مع الطرح الكلاسيكي بالتحرير الفوري لسعر صرف الدولار".

وفيما كان لافتًا عدم تطرّق أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله لتطورات المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وحديثه عن خيارات بديلة لفكّ طوق أزمة الدولار وصفها البعض بغير الواقعية، فإن الرسالة الأهمّ التي خلص اليها خطاب نصرالله الأخير هي أن كل المحاولات والمشاريع "السرّية" للإستغناء عن حكومة حسان قد سقطت.

يبدو لافتًا في هذا السياق التقاء المجتمعين في قصر بعبدا في ظل معادلة تحكم الواقع الحكومي حتى إشعار آخر وهي أن بري وَضَع خطًا أحمر أوقف الزحف باتجاه إقالة حاكم مصرف لبنان، و"حزب الله" وضع خطًا مماثلًا عنوانه التمسّك بالحكومة وكرّسه نصرالله بوضوح في خطابه الأخير، مع العلم أن بري كان أكثر المؤيدين لإجراء تغيير حكومي يعيد "صديقه" سعد الى الواجهة.

بقاء الحكومة قد يخضع للإختبار الأصعب في ظل التداعيات المرتقبة لتطبيق قانون قيصر وإمكانية تكبيله الداخل اللبناني وتطويق حزب الله الى حدّ الاختناق. وهنا يحضر تأكيد من جانب قريبين من رئيس الجمهورية "على أهمية لقاء 25 حزيران كمظلة وطنية مطلوبة في مواجهة مزيد من العواصف".

وهؤلاء يشيرون الى "ثابتة أساسية تحكم استراتيجية الرئيس عون وهو سبق أن قالها لموفد أميركي زاره قبل عام ونصف حين حذّره من مغبة الاستمرار في تأمين الغطاء لحزب الله، فكان جواب رئيس الجمهورية واضحًا: سحب هذا الغطاء سيعني وقوع حرب أهلية ولذلك خياري خوض معركة ضد الحرب الاقتصادية".

المصدر: ليبانون ديبايت