الانفجار اللبناني الكبير.. جولة في شوارع المدينة المنكوبة

متفرقات

تم النشر في 5 أغسطس 2020

تحولت بيروت الساعة 6 وعشر دقائق من مساء الثلاثاء إلى ساحة حرب، بعد الانفجار "الغامض" الذي ضرب المرفأ، وهز العاصمة اللبنانية ووصل دويه إلى مناطق بعيدة في البلاد وخارجها، حيث أفيد بسماع الدوي في جزيرة قبرص.

قبل الانفجار بدقائق، انتشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يُظهر حريقاً صغيراً في المرفأ، وما هي إلى دقائق حتى تحول هذا الحريق إلى انفجار، لم تشهده بيروت في حروبها الكثيرة.

في مقهى في شارع الجميزة، يجلس مجموعة من الناس يتناولون القهوة ويتبادلون أطراف الحديث. فجأة، يعمّ الصمت. هدوء مريب، الجميع يستمع إلى صوت يُشبه اختراق جدار الصوت، ما لبث أن خفت حتى بدأت الطاولات من حولهم تتطاير، الزجاج في كل مكان، شجرة على جانب الطريق صارت مجموعة من أوراق مبعثرة في الهواء.

الهلع اجتاح رواد المقهى حيث هرع بعضهم إلى الحمام. اعتاد اللبنانيون على الحروب حتى صاروا يُدركون لا شعورياً أن الأماكن الصغيرة آمنة أكثر من غيرها. فعلياً لا شيء آمناً في المدينة، جُملة رددها أكثر من شخص كانوا يعاينون لاحقاً الأضرار التي وقعت بممتلكاتهم.

كلام كثير وأخبار أكثر، في الشارع، صُراخ وصدمة. ما الذي يحصل؟ لا أحد لديه أي جواب. الأخبار تقول إن الانفجار حصل في بيت الوسط، لكن من يقف في الجميزة باستطاعته سريعاً أن يُدرك أن الأخبار كاذبة. الدخان المتصاعد يأتي من المرفأ. الناس بغالبيتها لم تسأل ولا همّها أين وقع الانفجار. أناس ببساطة كانوا يتأكدون أنهم بخير. هول الكارثة جعلهم لا يُصدقون أنهم خرجوا أحياء. كُثر لم يخرجوا.



دمار في كُل مكان وسحب الدخان في ازدياد. في الطريق من الجميزة باتجاه وسط بيروت، صُراخ، لا شيء سوى الصُراخ والدمار. محال من دون واجهات وأخرى انهار أجزاء منها. فتاة صغيرة تبحث عن أهلها، وشاب يركض باتجاه معاكس وهو يصرخ وينزف. رجل في خريف العمر يُشاهد خيبة جديدة. يُشاهد ولا يظهر على وجهه أي شيء يوحي باستغراب أو صدمة، اعتاد الويلات فلم يعد يتفاعل معها؟ ممكن، الأرجح نعم.



بيت الكتائب على الصيفي لحقه الدمار. استنفار أمامه وسيارات تخرج مسرعة مبتعدة عن المكان. الناس تتجه نحو المرفأ. إلى مكان الانفجار. كُل شيء على جانبي الطريق عبارة عن ركام. لا وجود لأي شيء يوحي بالحياة. السيارات تُسرع لتهرب من المكان، ماذا لو حصل انفجار ثاني؟ امرأة تصرخ لابنها كي يعود أدراجه.



على المدخل الجنوبي للمرفأ، عناصر قليلة من الجيش اللبناني والمخابرات تقف في المكان. فوضى وصدمة، لا شيء غير ذلك. يحاولون قدر الإمكان منع الناس من الدخول لكن دون جدوى. داخل المرفأ، لا يوجد غير الدمار والنار والدُخان. لا شيء يوحي أن هذه البقعة من بيروت كانت مرفأ أو مكاناً فيه حياة. دُخان كثيف، وأصوات انفجارات صغيرة لمواد قابلة للاشتعال. في تلك المساحة، يبدو لبنان على حاله أو على حقيقته، يحترق. رئته الحيوية وأحد أهم المرافق صار ركاماً.



قبل مدة، كان هناك من يتحدث عن أن القمح المدعوم قد ينقطع من السوق. كانت شائعات. اليوم إهراءات القمح صارت ركاماً. لم يسلم شيء في المرفأ، العنابر كُلها سوُيّت بالأرض، الحاويات أيضاً. النيران تشتعل في مكانين، يبتعدان عن بعضهما ما لا يقل عن مئة متر. من البحر، يقف عناصر قوات "اليونفيل" على فرقاطة تابعة لهم ليُشاهدوا ما يحصل. عناصر قليلة من الدفاع المدني والذين وصلوا إلى المكان يحاولون قدر الإمكان إخماد النيران المشتعلة في الأرجاء.



مضى أكثر من 50 دقيقة على الانفجار قبل أن يصل عناصر الأمن. فوضى ولا شيء غير الفوضى، وناس تهرول للمساعدة أو محاولة المساعدة. بعد انتشار الأمن ومنع الناس من الدخول، رجل ستيني يقف أمام جندي ليسأله عن ابنه الذي يعمل في المرفأ. يُحاول أن يُكلمه ولكن ليس هناك من مُجيب، يتكئ على سيارة قريبة ويبكي. فتاة تحاول الدخول بحثاً عن أخيها، يمنعها عنصر أمني، فتستشيط غضباً وتصرخ "أريد أن أطمئن على شقيقي، دعوني أطمئن عليه".

بعد أكثر من ساعة، صار المرفأ تجمعاً للجيش وللمسعفين، سيارات تصل لنقل الجرحى والضحايا، ومحققون ينتشرون في المكان ليبدأوا تحرياتهم حول ما حصل. جرحى، الكثير من الجرحى في المكان. الكثير من القتلى أيضاً، المكان يُشبه ساحة حرب قريبة أو بعيدة، لكنه لا يُشبه بأي شكل من الأشكال، المرفأ.



بيروت التي ترزح تحت أزمة اقتصادية لم تشهد مثيلها منذ قيام دولة لبنان الكبير، دخلت نفقاً جديداً أو نفقاً آخر. الدمار الكبير لم يكن سوى مشهد كئيب ليس غريباً عن يوميات اللبنانيين. لكن الانفجار هذا مُختلف. توقيته في هذا الظرف بالذات جعله يظهر وكأنه إشعار آخر بقرب نهاية بلاد تُحتضر. بلاد تترك أبناءها يموتون على قارعة الطريق، بسبب انفجار، أو جوع وجوع، النتيجة واحدة. في الشوارع المحيطة بمكان الانفجار، جرحى وجُثث. هنا بيروت.

المشهد المبكي كان من أمام المستشفيات التي غصت بالجرحى والضحايا. استنفار طبي. سيارات إسعاف تصل وترحل، تُنزل جريح لتعود لتأتي بآخر. أمامها، أهل ينتظرون خبراً عن قريب مختفٍ. لبنانيون كُثر كانوا يتنقلون اليوم من مستشفى إلى آخر بحثاً عن فرد من عائلتهم أو عن صديق. لبنانيون كانوا يستجدون معلومة، يبحثون بين مداخل الطوارئ المنتشرة في بيروت عن خبر يُبرّد همّهم، منهم من نجح، منهم من وجد نفسه أمام واقع لم يكن ليتخيّله قبل ساعات، الخسارة وقعت.

ليل بيروت لم يكن كئيباً فقط. الناس في الشارع تلملم خسارتها، أو تُراقب مدينة تموت ببطء، أتى انفجار ليُسرع من نهاية فصل في كتاب مليء بالمآسي.

المصدر: الحرة