مع "سقوط احتكار القضية الفلسطينية".. أين لبنان من اتفاقيات السلام مع إسرائيل؟

سياسة

تم النشر في 21 سبتمبر 2020

فيما يبدو لبنان غارقا في خلافاته الداخلية وفي أزمته الاقتصادية غير المسبوقة، تتجه دول عربية إلى مرحلة جديدة مختلفة تماماً عن كل ما سبق، إذ لم تعد القضية الفلسطينية التي شغلت "الأمة" لعشرات السنوات هي الأولوية، فالعالم تغير ومعه تغيرت طموحات الدول من المحيط إلى الخليج.

بالأمس وقعت الإمارات اتفاق سلام مع إسرائيل. لحقت بها البحرين ومن المرجح أن تكر السبحة في هذا الاتجاه.

ومنذ توقيع الاتفاق، تحديدا مع الإمارات، بدأت تظهر بوادر التعاون بين البلدين على أكثر من صعيد، ولعل الجانب التكنولوجي سيكون له الحصة الأكبر فعليا، فضلا عن جوانب أخرى ستعود بالفائدة على الدولة الخليجية التي كما يقول متابعون، فضلت الخيار الإسرائيلي على أن تكون في محور فيه إيران أو آخر فيه تركيا.

وفي إشارة دالة على التعويل الإماراتي على الاتفاق، قال وزير خارجيتها عبدالله بن زايد في مقال نشره في "وول ستريت جورنال" إن الاتفاق سيساهم في "بناء محرك للتبادل الاقتصادي والثقافي قادر على توليد الفرص والتفاهم في جميع أنحاء المنطقة فمن الخليج إلى البحر الأحمر عبر قناة السويس وصولا إلى شرق البحر المتوسط تعتبر شبه الجزيرة العربية الممتدة ملتقى طرق العالم".

ولكن ماذا عن لبنان في كل ما يحصل، وتحديداً فيما يخص العلاقة مع إسرائيل؟ إلى الآن، لم يصدر من بيروت أي تعليق رسمي على ما يحصل من اتفاقات مع إسرائيل، إذ غابت التصريحات الرسمية في هذا السياق، وانسحب هذا الصمت على غالبية القوى السياسية، ولم يبرز إلا تصريح أمين عام حزب الله حسن نصرالله الذي، وعلى عادته خوّن الدول التي اختارت مسار السلام.

يقول الكاتب والصحفي اللبناني سام منسى في حديث لموقع "الحرة": "لبنان انتقل من احتلال إلى احتلال آخر أخطر من السابق بسبب المكون اللبناني في إدارته (حزب الله)، ولكن هذا البلد الصغير من غير الممكن أن يعيش في عزلة عن كل ما حوله".

وفي الاجتماع الأخير للوزراء الخارجية العرب خلال الدورة 154 العادية، لم يتم اتخاذ أي موقف عربي جامع من الاتفاقات التي تحصل مع إسرائيل، بعد أن كان التوجه للتأكيد على التمسك بالمبادرة العربية للسلام، مع طرح الفلسطينيين إضافة عبارة "وإدانة من يخالف أحكامها" وهو ما استدعى رفضاً بحرينياً إماراتياً ومصرياً، وبالتالي لم يتم اتخاذ أي موقف واضح.

بالنسبة لمنسى، هناك 3 أمور أساسية تغيرت اليوم، "بل لنقل هناك أشياء سقطت إلى غير رجعة، فما كان يسمى بالعالم العربي انتهى ومعه سقط النزاع العربي - الإسرائيلي، كذلك والأهم، سقط احتكار القضية الفلسطينية كقضية الأمّة جمعاء. هذه القضية التي استعملت كشماعة لأنظمة الاستبداد في المنطقة كي تبقى متحكمة بمصير الشعوب".

ويعيش لبنان أزمة سياسية واقتصادية لم يمر بها منذ تأسيس الكيان قبل مئة عام وهو يقع في منطقة تتآكلها الحروب والنزاعات من سوريا إلى العراق واليمن وصولا إلى ليبيا.

ويحاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يصل إلى اتفاق بين اللبنانيين يسهم في إخراجه من مأزقه ولكن هذه المحاولات لم تأت بنتيجة إلى الآن.

ويرى منسى أن "لبنان يتجه عكس التيار. كُل الدول أصبحت في مكان آخر تماماً وهذا ما يعني أننا في خطر فعلي، كوننا خرجنا نهائياً من الجو الطبيعي الذي كان يجب أن نكون فيه لأن لا سلطة للدولة على أي شيء".

وينطلق منسى من الواقع الاقتصادي المزري الذي يعيشه اللبنانيون ليقول: "تتصدر اليوم بدلا عن النزاع العربي الإسرائيلي حاجات شعوب المنطقة وهمومهم والتي ظهرتها ثورات الربيع العربي"، مشيرا إلى أن ذلك "لا يعني دفن القضية الفلسطينية التي هي قضية عدالة وحق شعب في وطنه، إلا أن عمليات التطبيع قد تساعد في تفعيل الأداء باتجاه تسويتها بشكل أكثر فاعلية من تجارب العنف والحرب السابقة، لا سيما إذا أحسن الفلسطينيون الإفادة من السلام".

ويسيطر حزب الله على مفاصل الدولة في لبنان في وقت يسعى فيه الرئيس المكلف مصطفى أديب لتشكيل حكومة "مهمّة" كما يصفها لكن جهوده تصطدم بإصرار الثنائي الشيعي على الحصول على حقيبة المال، علماً أن وزير المال الأسبق علي حسن خليل والمنتمي إلى حركة أمل التي يرأسها رئيس مجلس النواب نبيه بري، أُدرج اسمه مؤخراً على لائحة العقوبات الأميركية.

وفي هذا السياق، يقول منسى إن "المخرج من الأزمة لم يعد داخلياً، والإثبات هو المبادرة الفرنسية، إذ يسعى الرئيس الفرنسي للوصول إلى اتفاق بين اللبنانيين، وبالتالي أصبحنا اليوم أمام 3 احتمالات:

أولاً، أن تنجح المبادرة الفرنسية وهي ستكون مرحلية وليست طويلة الأمد.

ثانياً، تسوية في المنطقة يكون لبنان جزء منها طبعاً، وهنا علينا أن ننتظر لنرى واقع إيران الجديد في ظلها.

ثالثاً، معركة أميركية - إيرانية سيدخل لبنان فيها من خلال حزب الله وبالتالي نتائجها ستحدد مسار البلاد مستقبلاً".

ويبرز في هذا السياق أيضاً، إمكانية بقاء الأمور على حالها، أي مراوحة تامة، إذ تتداول الأوساط السياسية سيناريو قائم على أن "الأزمة مستمرة مع توترات سياسية وأمنية مضبوطة لا تتجاوز الخطوط الحمراء المرسومة لها، وتحويل لبنان إلى دولة فاشلة لا تؤثر فيما حولها حتى لو كانت في محور الممانعة. دولة ضعيفة لا حول لها".

بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 وخروج أصوات لبنانية تطالب حزب الله بـ"الدخول إلى الدولة" وتسليم سلاحه إلى الجيش اللبناني، رد الحزب بأن "المقاومة مستمرة لتحرير مزارع شبعا"، التي اعتبرها جزءاً من الأراضي اللبناني.

وتقع المزارع على الحدود بين لبنان وهضبة الجولان التي كانت الحدود اللبنانية السورية قبل يونيو 1967، وهي منطقة تابعة لإسرائيل اليوم، وتُظهر خرائط فرنسية منذ عام 1946 أن المنطقة تلك هي جزء من الأراضي السورية وليس اللبنانية إلا أن حزب الله وفريقاً من اللبنانيين يتمسك بلبنانيتها، فيما ترسيم الحدود البرية والبحرية لا يزال غير منجز إلى اليوم.

ولم يكن لبنان جزءاً منها، ولم يتم الإتيان على ذكر هذه المزارع كونها لا تخضع للقرار الدولي 425 المتعلق بالأراضي اللبنانية.

ولا يزال لبنان يحاول الوصول إلى اتفاق ترسيم حدوده البحرية مع إسرائيل، وكان لافتاً ذكر بيان حركة أمل في 9 سبتمبر الجاري أن الاتفاق على السير بترسيم الحدود البحرية في الجنوب اللبناني اكتمل مع الولايات المتحدة الأميركية ووافقت عليه بتاريخ السابع من سبتمبر الجاري، وحتى الآن ترفض توقيت إعلانه دون أي مبرر".

يقول منسى: "طالما نحن نعيش تحت احتلال فلا قيام للبنان. حتى الحياد الذي يطرحه البطريرك الماروني بشارة الراعي لا يقبله حزب الله". ما الحل؟ برأيه، "اتفاق هدنة قائم على تحديد مصالح وترسيم الحدود". هذا أقصى ما يمكن الوصول إليه اليوم، لكن على ما يبدو أنه حتى هذا الأمر، بعيد جدا".

يُذكر أن البطريرك الماروني كان قد طرح فكرة الحياد قبل أشهر وقوبل بحملة واسعة من الثنائي الشيعي وصلت إلى حد قول المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان: "إن هذا البلد لا يقبل البيع، وعلى البعض أن يدرك حقيقة أننا كشيعة، أكثرية مكونة في هذا الوطن، ثم الشريك الأول والرئيسي لكل من طرأ عليه، ونحن مستعدون لأن ننحت من الصخر قوت، ولن نمرر صفقة بيع البلد، وعلى البعض أن يتذكر أن زمن عودة المارد للقمقم صار بخبر كان".

المصدر: الحرة