"الحياد"... أو حروب داخل الطوائف

سياسة

تم النشر في 30 سبتمبر 2020

عبدالوهاب بدرخان

لبنان في اللحظة الأخيرة المتاحة لطرح خيار "الحياد"، حمايةً للشعب والأرض والدولة، للحصول عليه باعتراف دولي. لماذا؟ لأن المنطقة تتغيّر وتتجه، بفعل تشظّي سوريا والاحتدام الإقليمي والدولي، الى صراع الدول القوية على حصصها. تتضاءل الفرص لتجنيب لبنان الوقوع في استقطاب لا يريده شعبه ومجتمعاته ولا يناسب كيانه ونظامه. الهيمنة الإيرانية فرضت نفسها بسلاح "حزب الله"، منتقلةً من مقاومة الاحتلال الإسرائيلي الى الاستبداد الداخلي، لكنها لم توفّر خياراً ولا نموذجاً، بل قادت البلد الى كوارث موصوفة يعيشها اللبنانيون كـ "جهنم" بالبثّ الحيّ. المشاريع التركية متربّصة ومترقّبة لانتزاع حصة من "التركة العربية" في لبنان، ولا مانع لديها من تقاسم "وظيفي" مع إيران. أما إسرائيل الممتنّة لإيران على اتاحتها جنوحاً عربياً إليها، فليست مهتمّة مرحلياً بمن يحكم في سوريا ولبنان وغزّة، بل يهمّها تحييد أي خطر أمني منها، ولو بصفقات مع روسيا وغيرها.

لم يعد لبنان قادراً بحكمه الحالي على انقاذ نفسه والحفاظ على كيانه. صراع المشاريع الثلاثة، المتناقضة واقعياً بامتداداتها الدولية، يعني أن "التقسيم" الذي رفضه اللبنانيون، وأن "الفدرلة" التي يتصورونها ممكنة، يمكن أن يُفرضا عليهم كأمر واقع. في 1920 أسس الموارنة "النظام" والاقتصاد الحرّ، وفي 1943 ولد "الميثاق الوطني" وأصبح السنّة أمناء على "الدولة"، وفي هاتين المرحلتين حافظ العرب والعالم على "تحييدٍ" ما للبنان على رغم ما شابهما من حروب داخلية ووصاية سورية. لكن، منذ 2000 انخرط شيعة "الثنائي" في مشروع إيراني لإطاحة النظام والدولة وإعادة تأسيسهما، وكانت البداية قراراً سورياً (أسدياً) - إيرانياً نفّذه "حزب الله" باغتيال رفيق الحريري، واستطاع "الحزب" منذ 2005، استناداً الى الانسحاب السوري ومزيد من الاغتيالات، أن يباشر اختراق المؤسسات باعتباره "قوّة محلية"، وأن يستوعب "التيار العوني" كحليف مسيحي قوي، وأن يفتعل حرباً مع إسرائيل (2006) ثم يستغلّها داخلياً لممارسة أقصى الترهيب لـ "الدولة" (7 أيار 2008).

وقع لبنان في حفرة أزمة لم يتوقّع "حزب الله" عمقها السحيق. حاول التملّص من مسؤولياتها، لكنه انكشف كمستفيد أول من الفساد وحماية الفاسدين. نبّهه ايمانويل ماكرون الى أن فرصته ليكون "حزباً محترماً" قد فاتت. كان حسن نصرالله مطمئناً الى أن الاستهداف الأميركي لـ "حزبه" يقوّي حجّته (ضد إسرائيل)، لكن الاتهام الفرنسي له باغتيال فرصة إنقاذية للبنان عرّى حقيقة أن "الحزب" (وبالتالي "الثنائي") ضد لبنان، وأنه موجود هنا فقط لانتزاع مصالحه باستغلال مآسي اللبنانيين. لذلك، يزداد "الحزب" اقتناعاً بأن تراجعه خيار قاتل، وأن الحل الوحيد هو مشروعه لإعادة تأسيس النظام وصيغة الحكم على حساب الموارنة والسنّة الذين كسر هيبتهم. يعوّل "الحزب" على سلاحه وعلى استثمار الأزمة الاقتصادية لفرض التغيير الذي يريده، لكنه لن يحصل عليه حتى لو ذهب الى افتعال حروب أهلية داخل مختلف الطوائف.

فايسبوك - صفحته الرسمية