الإسلاميون هم "المشكلة" في فرنسا وسواها

سياسة

تم النشر في 3 نوفمبر 2020

عبدالوهاب بدرخان

قطع الرؤوس على وقع "الله أكبر" وعلى الأرض الفرنسية، وليس في الموصل أو الرقّة، أدّى الى تشدّد اللغة واللهجة والمصطلحات في الإعلام والتصريحات الحكومية والنقاش العام. من جهة، رسوم كاريكاتورية تكرّر نشرها واعتُبرت مسيئة للنبي محمد. ومن جهة أخرى، للمرّة الأولى ينخرط الحكم والسلطة الفرنسيان، وليس حزباً يمينياً متطرّفاً، في مشروع لتصفية الحساب مع "اسلام انفصالي" ماضٍ في انشاء "دويلته" على هامش الجمهورية وقيمها العلمانية المحسومة. في المقابل، يحلّ هذا المشروع ونبش الرسوم في لحظة دولية وإقليمية ساخنة برزت فيها عناصر مواجهة سياسية حادة بين فرنسا وتركيا، ما لبث رجب طيب اردوغان أن تلقّف مواقف لإيمانويل ماكرون فحولّها صراعاً مشخصناً، واستثمرها ليلمّع صورته كحاملٍ لواء "الدفاع عن الإسلام"، ويغطّي على صراع أكبر يشمل الأزمة الليبية والتوتّر في شرق المتوسّط والحرب بين أذربيجان وأرمينيا، بالإضافة الى الدعم الفرنسي التقليدي للأكراد.

كان ماكرون أخرج مشروعه الداخلي من سياقه السيادي عندما قال إن الإسلام يمرّ بمشكلة كبيرة في كل مكانٍ في العالم، فهذان التعميم والتقويم أتاحا لكل أنواع الدعاة والأدعياء الإدلاء بحججهم دفاعاً عن دينٍ ساهمت فتاوى وممارسات كثيرين منهم في جعله "مشكلة" فعلاً. كما أن ماكرون أحرج الدول المعتدلة، حين قال كلاماً ملتبساً فُهم كأنه يدعم نشر الرسوم المسيئة، ما اضطرّها لإدانتها تنفيساً للاحتقان في مجتمعاتها، مع أنها لم تكن ترغب في تضخيم المشكلة وتسليط الأضواء عليها، كما فعل اردوغان عندما مارس لعبة شحن النفوس متجاوزاً جريمة قطع رأس المدرّس صمويل باتي وذاهباً حتى الى التبنّي الشخصي لمقاطعة المنتجات الفرنسية مع ما تحمله من خسائر محتملة للمنتجات التركية. ثم تبعه رئيس الوزراء الماليزي السابق، يوم دخل التونسي إبراهيم العويساوي كنيسة نوتردام في نيس ليذبح امرأة مسنّة ويقتل أخرى ورجلاً، إذ لم يتردّد مهاتير محمد في التغريد مبرّراً قتل الفرنسيين عموماً، للانتقام من القتل الذي اقترفوه خلال تاريخهم الاستعماري.

ارسال القتلة الى الكنائس يستهدف إشعال ما نسمّيه في بلداننا "فتنة"، وكانوا كثراً أولئك الذين انزلقت الى ألسنتهم عبارة "حرب أهلية" في توصيفهم لمزاج الشارع الفرنسي. فبعد ذبح المدرّس وقبل جريمة الكنيسة ثم بعدها حصل الخلط المعتاد والمتوقّع بين "المسلمين" و"الإسلاميين"، وبين الإسلام و"الإرهاب"، وقيل تقريباً كل شيء من قبيل "فرنسا تتعرض لهجوم جهادي" و"نحن إزاء عدو ينبغي سحقه" و"انهم لا يشبهوننا" و"يجب أن يرحلوا"... ما يضفي نوعاً من الشرعية الشعبية على أي تصرفات عنفية، سواء من جانب قوى نظامية أو متفلّتة. وعلى رغم أن دولة القانون لا تسمح بالانفلات فقد رصدت صحف ومواقع فرنسية اعتداءات عديدة على مسلمين ومسلمات وعلى جمعيات ومؤسسات. في المقابل، تحدّث عمدة نيس عن "الفاشية الإسلامية"، وكان الرئيس ماكرون وصف قتل المدرّس بأنه "اعتداء إرهابي إسلامي"، وكرّر ذلك بعد هجوم الكنيسة، حيث راح القاتل يردّد "الله أكبر" بعد اصابته واعتقاله، مشهراً دافعه وهويته.

يعلم المسؤولون الفرنسيون أن المشكلة ليست في مسلمي فرنسا ولا في اسلامهم، بل في وجود بنية بدأت نشأتها قبل أكثر من ثلاثة عقود بعقلية "الإسلام السياسي" ومفاهيمه التي غالباً ما تجافي فكرة الدولة أو تحاول قولبتها بذريعة "الدعوة" الى توسيع رقعة انتشار الإسلام، كنشاط موازٍ أو مضادٍ لـ "التبشير" المسيحي. لكن الإشكال وقع في التسييس، ولدى الاقتراب من نمط النظام ونموذج الدولة ومنظومات الحقوق والحريّات. لذا طرحت تحليلات الأزمة الراهنة في فرنسا مسائل مثل الهوية وكيف لمسلم أن يوائم بين دينه وفرنسيّته في نظام سياسي علماني يعتبره "كافراً"، ضمناً أو علناً، أو مثل الحقوق والحريّات في مجتمع يستند تمسّكه بهذه المكاسب الى صراع طويل أفضى الى "فصل الدين عن الدولة" ثم الى "الفصل بين السلطات" لكن ثقافته وقواعد سلوكه بقيت مرتبطة عموماً بجذور دينية، أي مسيحية.

في تلك البنية الاسلاموية اختلط "الاخواني" بالسلفي والشيعي الخميني على رغم تباين أنشطتهم وانفصالها، وكلّها انتماءات تتفاوت عصبيّاتها لكنها راحت تتأثر بالتطوّرات السياسية في بلدان العرب والمسلمين (أزمات الجزائر وتونس وليبيا وسوريا...)، كذلك بقضايا الصراع مع الغرب. وعلى مدىً زمني لم يحصل ما يُنذر السلطات، في فرنسا وسواها من الدول الغربية، بأن ثمة خطراً على الأمن والاستقرار. ثم أن المسلمين أنفسهم (5 الى 6 ملايين) ليسوا على نمط واحد، فغالبيتهم العظمى تمارس مواطنيتها بشكل عادي سواء محافظةً أو غير محافظةٍ على خصوصيتها، أما الأقلية التي تعيش في شبه منعزلات أو غيتوات فلم يكن التطرّف الديني سمتها الرئيسية بل الفقر والتهميش نقص التنمية التي تنتج أجيالاً شبابية تغلب عليها البطالة أو الشغل في الممنوعات أو... الاشتغال بما وفّرته جماعات مؤدلجة للمتاجرة بالدِين. ومع أن هذه أقلية ضئيلة داخل تلك الأقلية إلا أن جرائم أفرادٍ منها باتت تنعكس على عموم المسلمين وعلى المجتمع الذي يعيشون فيه.

منذ هجمات 11 سبتمير 2001 ثم بعد نشوء تنظيم "داعش" وانتشاره وظهور أوروبيين في صفوفه، كذلك في الحرب عليه وارتداداتها، اكتشفت فرنسا وسواها من الدول الغربية أن الخطر الكامن لم يكن كليّاً تحت السيطرة. وإذا كانت تمكّنت من كبحه ليقتصر على أفراد، أو "ذئاب منفردة"، فإن الوقائع الأخيرة من محاولة الاعتداء مجدداً على مقر مجلة "شارلي ايبدو" الى جرائم نيس وليون أعطت مؤشرات الى وجود بنية مرجعية وتنظيمية مشرفة على تحرّكات الأفراد، ولديها عناصر لمراقبة الكنائس مثلاً ومعاينة معالم وأماكن لتحديد "الأهداف". لذلك فإن العمل الأمني أساسي هنا لملاحقة هذه العصابات وكشفها وإنزال العقاب بها، على أن تواكبه مبادرات موجودة ويُفترض تطويرها لمعالجة التهميش وتعزيز الاندماج، أما العمل السياسي المرافق فلن تكون له فاعلية ايجابية إذا فاقم الاستقطاب ودفع الخطاب الى التمييز والعنصرية.

المعركة لا تزال معركة ضد "الانفصالية الاسلاموية"، كما حدّدها ماكرون، وليست معركة رسوم كاريكاتورية أخطأ المدرّس في طريقة ابرازها، ولو كان هدفه تعليم "حرّية التعبير" لتلاميذه، فهذه الحرّية لا تُختزل بتلك الرسوم ولا "شارلي ايبدو" أفضل ممثل لها. بل ان ما يمثّلها فعلاً هو مناخ الحرّية الذي أتاحته فرنسا في الهجرة واللجوء والتجنيس وعدم المسّ بالتديّن ومبدأ المساواة في المواطنية. كلّ ذلك أساءت اليه جماعات "الأيديولوجية الإسلامية" (وفقاً لوزير الداخلية الفرنسي"، وستعمد التشريعات الى تقنينه بإغلاق مساجد ومدارس وجمعيات ومؤسسات ومتاجر استغلّها المتطرّفون في خدمة أجندات مموّليهم.

هل تختلف "الانفصالية الاسلاموية" في فرنسا عما شهدته وتشهده بلدانٌ عربية واسلامية مثل العراق ولبنان واليمن وليبيا والصومال وأفغانستان؟.. المشكلة هي نفسها في أي بلد يعاني من تيارات ترفع الدِين شعاراً ولا تؤمن بالدولة والمؤسسات ولا تبالي بالمجتمع ولا تعرف شيئاً آخر غير التخريب.

(عن صفحته الرسمية - فايسبوك)