تركيا أردوغان وتشويه "النموذج الإسلامي"

سياسة

تم النشر في 23 مارس 2021

عبدالوهاب بدرخان

هل أن العرب في حاجة الى التقارب مع تركيا؟ الجواب: نعم، تحسّباً لخيارات الإدارة الأميركية الجديدة. هل أن تركيا تغيّرت وأجرت مراجعة لسياساتها خلال العقد الماضي؟ الأرجح نعم، والمسألة قيد الاختبار. هل أن خطاب رجب طيب اردوغان وسلوكه أصبحا ملائمَين؟ ليس بعد. هل هو في صدد التخلّي عن الاحلام العثمانية (التوسّعية) والروابط "الإخوانية"؟ ربما يتّبع تراجعاً لكنه شكلي وتكتيكي. هل تسحب تركيا قواتها من الدول العربية، تلبية لدعوة الجامعة العربية؟ لا، وتختلف ظروف التدخّل في سوريا وأسبابه عما هي في العراق أو ليبيا. هل تواصل تركيا محاولاتها لتحصيل موقع "مستقلّ" بين القطبين الدوليَين، وبين "الناتو" والمعسكر الروسي؟ هذا مسار جدّي وشاق استغلّه اردوغان شعبوياً واسلاموياً من دون أن يُعترف لتركيا بعد بدور كهذا.

في كل الأحوال، يُستحسن التعامل مع العروض التركية وجعلها فرصة يُفترض إنجاحها. هذا ما تفعله مصر من دون تهافت أو تعجّل، ليكون التقارب في مصلحة دول المنطقة وشعوبها. أما إذا فشلت فيبقى كل طرف على مواقفه في انتظار ظروف أفضل، ربما بعد اردوغان. والنموذج المصري هنا هو الأكثر دلالة، لأن الطرفين بلغا منتصف العام الماضي حدّ الصدام العسكري المباشر في ليبيا، عند خط سرت - الجفرة "الأحمر". في تلك اللحظة كان لافتاً اصطفاف "الاخوان المسلمين" وسواهم من الإسلاميين وخروجهم، خصوصاً في تونس وليبيا، الى الخط الأمامي للدفع بالمدّ التركي على طول الساحل الليبي حتى الحدود المصرية. قبل ذلك، كان اردوغان وماكينته العسكرية والإعلامية ركّزا على: 1) إرث تاريخي عثماني في ليبيا يبرّر استعادة النفوذ. 2) "الوطن الأزرق" الذي يحيل المتوسّط بحيرة تركية. وإذ غدت التجربة الليبية دليلاً الى "توسّعية" اردوغان، فلا بدّ من التذكير بأنه تصرّف بضوء أخضر أميركي في مواجهة مرتزقة روسيا. لكن خلط الأوراق جارٍ الآن بفعل "عملية سياسية" هندسها الاميركيون.

بعد وصول "حزب العدالة والتنمية" الى السلطة في 2002 كان في الإمكان تمييز مَن هم مؤهّلون ليكونوا رجال دولة ومَن هم "اسلاميّون" أولاً وأخيراً، وهؤلاء الأخيرون حرص اردوغان على أن يغزوا إدارة الدولة، وزاد تغلغلهم فيها بعد المحاولة الانقلابية في 2016 واقصاء كل من يُشتبه بانتمائه الى "جماعة غولن". لكن الأساس في النجاحات الأولى للحزب الحاكم كان عمله في مؤسسات حكومية منتظمة، وبمقدار ما راح اردوغان يصفّي "الدولة العميقة" التي وصفها بـ "العلمانية"، بالأحرى المدنية، بمقدار ما بدأت الانجازات الاقتصادية تتراجع وتزيد الصعوبات أمام الحزب للفوز في الانتخابات، ولم يجد اردوغان وسيلة أخرى للتعويض إلا بالذهاب الى انجازات عسكرية ليس واضحاً ما إذا كانت ستدوم، أو تستمرّ بأكلافها من دون رفد الاقتصاد.

غير أن السعي الى فتوحات عربية تحت راية "الأمجاد العثمانية" كان ينمّ عن غطرسة "استعمارية" تتمثّل بتجاهلٍ لمتغيّرات مئة عام في المنطقة، وبجهلٍ لنظرة المجتمعات العربية الى الموروث التاريخي. لم تكد كانت هذه المجتمعات تتجاوز الماضي العثماني وحقبة التباعد الاتاتوركي لتتعاطى مع تركيا حديثة برؤى وطموحات عصرية، حتى فاجأها اردوغان بثوبه "الإخواني" وتطلعه الى إحياء "الخلافة" فيما كان العالم يرصّ صفوفه لمحاربة تنظيم "داعش" وخلافته المزعومة، بل فيما كان يزداد اقتناعاً بأن كل جماعات الإرهاب تأثّرت بشكل أو بآخر بالمشروع "الإخواني". هنا كانت السقطة الاردوغانية الكبرى، حين سخّر تركيا الدولة في خدمة "جماعة" ارتضت أن يكون لها "حزب" أو "أحزاب" فقط لتمكينها وتمرير أهدافها.

كان بإمكان اردوغان وحزبه أن يتعاطفا كما يشاءان مع "الجماعة"، لأسباب عقائدية أو إنسانية أو حقوقية، أما أن يتبنّياها بأخطائها وعداواتها فهذا شأن آخر، وأن يخرّبا العلاقة بين دولة ودولة مع مصر من أجلها ففي ذلك تهوّر وغباء. بل ان الدعم التركي (والقطري) أعفى "الإخوان" من اجراء أي مراجعة لنهجهم كي يكونوا مفيدين لمجتمعاتهم ومتوائمين معها، في مصر وغيرها، لا أن يكونوا على الدوام مصدر انقسام وتوتير.

حتى في التعامل مع الأزمة السورية، وقبل سقوط الحكم "الإخواني" في مصر، كانت تركيا تعطي أولوية لـ "الجماعة" غير مبالية بطبيعة التديّن الإسلامي الوطني في سوريا، لكن دفعها بالمعتدلين الى "التأخّوُن" والتطرف لم ينجح إلا في تخيير الفصائل العسكرية بين التفكّك والولاء. وكما في ليبيا كذلك في سوريا، لم تكترث "تركيا الديموقراطية" لحقيقة أن الشعب لا يقصي "الإخوان" لكنه يريد دولة مدنية، أي أنه لا يعتبرهم خياره. ففي ليبيا صوّت مرّتين ولم يمنح "الإخوان" وأشباههم سوى حجمهم الواقعي، وبالنسبة الى سوريا فإن الشعب يطمح لأن يشارك يوماً في انتخابات حرّة ونزيهة وقانونية وليس بين أطياف المعارضة من يريد إقصاء أحد لكن "الإسلام السياسي" ليس مشروعها، مثلما أن نظام العائلة/ الطائفة الحالي مرفوض لديها.

لو لم يركّز التدخّل التركي في سوريا على "الإخوان" لكان أفسح في المجال لمواكبة ومشاركة عربيتين تؤسسان لتفاهم إقليمي أكبر في المستقبل. فخلافاً لروسيا وإيران، وكذاك لإسرائيل، كان بإمكان تركيا أن تتمايز، وأن تكون تدخّلاتها فرصة لتفاهم تاريخي اقليمي واسع، لكن تكشّف أولاً أنها مدفوعة باستعلائية لا تختلف عن الأحقاد الفارسية على العرب ولا عن الغطرسة التفوّقية الإسرائيلية ازاءهم. وتبيّن ثانياً أن أهمّ أهدافها سحق الشعب الكردي الذي يشكّل عدم التصالح والتعايش معه أحد أكبر إخفاقات الدولة التركية طوال قرن ونيّف.

أوائل القرن غدا "الإسلام التركي" نموذجاً يجتذب الاهتمام العالمي، بنجاحاته الاقتصادية وأسسه الديموقراطية المدنية، قبل أن يصبح أحد ضحايا "الربيع العربي" بنسخه كافة. رأى اردوغان، ومثله علي خامنئي وبنيامين نتانياهو، أن ثمة فراغاً عربياً هائلاً ينتظر مَن يملأه، وكانت تركيا الأقل استعداداً لهذه المهمّة بين الدول الثلاث لكن بلورة خياراتها تزامنت مع تغيير نموذجها "الإسلامي"، وبالتالي بدء التوجّس من أهدافها. كان مبرّراً لتركيا أن ترعى ضرورات أمنها، لكن الأفضل أن تستخدم "نموذجها" لا عسكرها وسيلة لتحصيل النفوذ بدلاً من استغلال محنة الشعب السوري لتصدير المرتزقة، أو "الانكشارية" بالمصطلح العثماني. ليس أدلّ الى مراكمة الأخطاء من بحث اردوغان حالياً عن "سلام" كان أفسده مع العرب.

(عن صفحته - فايسبوك)