مياه النيل: الأولوية للتفاوض لا للحرب

سياسة

تم النشر في 6 أبريل 2021

عبدالوهاب بدرخان

تتشدّد مواقف مصر والسودان على قاعدة تنسيق شامل ظهرت معالمه أخيراً، وتجريان مناورات عسكرية تحت اسم "نسور النيل"، وليس الهدف، حتى الآن، اشعال حرب بل الضغط لرفع المفاوضات من حفرة المماطلة التي تعمّدت اثيوبيا ايقاعها فيها. فالحرب تقع عندما تنسدّ سبل السياسة. وأيّاً تكن الاتفاقات المحتملة فإنها لن تلغي معطىً واقعياً اعترفت به مصر والسودان، هو أن مجرى النيل لن يعود كما كان منذ وُجد هذا النهر، أي منذ بداية الكون والتاريخ. حتى الحرب، التي ستكون حتماً خسارة للجميع، وتصعب الإحاطة بمجرياتها، لا بد أن تنتهي بحلول تفاوضية يمكن التوافق عليها الآن وتطويرها بالممارسة، وبمعزل عن هول الأضرار التي تخلّفها. فالبلدان الثلاثة وشعوبها تعاني من اقتصادات ستزداد ضعفاً وتأزّماً إذا ما أضيفت إليها أكلاف الحرب، وستتعرّض آمال التنمية ومشاريعها لانتكاسات كارثية فيتأخّر خروج مصر من عنق الزجاجة وتتبخّر آمال السودان في وقف الانهيار المالي وتتعثّر رهانات اثيوبيا المعقودة على سدّها.

عندما وقّعت الدول الثلاث على "اتفاق المبادئ" عام 2015 كانت الكلمات المفتاحية فيه "التعاون" و"حسن النيّة" و"بناء الثقة" و"الانصاف" و"التسوية السلمية للنزاعات". استغرق التوصّل اليه وقتاً طويلاً وقبل التوقيع كان كلٌّ من بنوده العشرة يحتاج الى شروح تفصيلية مستندة الى القوانين الدولية، تفادياً لـ "الشيطان الكامن في التفاصيل". تفاوضت مصر والسودان بذهنية واقعية ومستقبلية قوامها التعاون الإقليمي، واستندتا الى معظم المفاوضات الدولية حول نزاعات مماثلة، بحيث يكون المشروع المقام على مجرى النيل متداخلاً مع مشاريع تنموية في اثيوبيا وجوارها. وبناء على ذلك لم تتسلّحا باتفاقات سابقة (خصوصاً 1929 و1959) تتعلق بحصتيهما من المياه، ولم تنقضا حقّ اثيوبيا في بناء سدّها بل أثبتتا مبدأ "عدم الإضرار بحقوقهما" الذي كان يستلزم إيضاحات فنية وقانونية.

لكن تجربة الأعوام الخمسة الماضية أفادت بأن اديس ابابا تفاوضت على "المبادئ" بذهنية ثأر تاريخي من اتفاقات سابقة رفضتها في حينها أو وقعت عليها (مع بريطانيا في 1902) ثم تنصّلت منها، متمترسةً وراء عصبية سيادية قد تكون مبرّرة لكن تحلّلها من أي اعتبارات تتعلّق بالقانون الدولي أو المصالح الإقليمية لا يمكن تبريره. ويتبيّن الآن أنها استخدمت "اتفاق المبادئ" لتعتبر الاتفاقات السابقة باطلة وغير ملزمة لها، وبالتالي فهي متحرّرة من أي قيود قانونية مسبقة وغير مضطرّة لإلزام نفسها بأي قيود جديدة، أي ليس قبل أن تنجز السدّ بمراحله كاملة. في المقابل كانت الانتقادات المشروعة، خبيرةً أو مسيّسةً، تتهم القاهرة والخرطوم بـ "السذاجة" والانزلاق في "الخديعة" وتلفتهما الى "مؤامرة" تبيّتها اديس ابابا منذ زمن و"بالتواطؤ مع إسرائيل وأميركا" لإبقاء البلدين العربيين مأزومين، ليس فقط بنزاعات حدودية وإقليمية بل بمشكلة حيوية تتعلّق بالنيل، شريان الحياة.

بعد أيام من تنحّي الرئيس الراحل حسني مبارك في 11 شباط (فبراير) 2011 أعلنت اديس ابابا قرار انشاء "سدّ النهضة" وما لبث رئيس الوزراء ملس زيناوي أن وضع الحجر الأساس في الثاني من نيسان (أبريل). بدأت إذاً أزمة مياه النيل ولم يكن اختيار اللحظة صدفةً بل أخذ في الاعتبار أن مصر ما بعد "ثورة 25 يناير" ستنشغل لسنوات طويلة بترتيب بيتها الداخلي. بعد عامين في 2013 سُرّب تسجيل لنقاش دعا إليه الرئيس الراحل محمد مرسي عدداً من الشخصيات النخبوية، وفيه شجّع بعض الحضور على استخدام التهديد العسكري لأثيوبيا التي أصدرت ردّاً متحدّياً. ومع أن الأعوام التالية حفلت بالاتصالات الثنائية والمفاوضات الثلاثية والتذبذبات السودانية وماراتون الدراسات الفنيّة إلا أنها اتسمت خصوصاً بالمماطلات الاثيوبية في انتظار اكتمال بناء السد ثم جهوزيته لعملية الملء الأول في الصيف الماضي. هنا أصبحت مصر والسودان أمام أمر واقع داهم، ومع اقتراب الملء الثاني في تموز (يوليو) المقبل ومرواحة المفاوضات لم تعد هناك أوهام في شأن النيات الاثيوبية.

لذلك اختار الرئيس المصري لحظة انتهاء أزمة جنوح الناقلة "ايفر غيفن" والاهتمام الدولي بقناة السويس وموقعها ووظيفتها ليطلق تحذيراته شديدة اللهجة بالنسبة الى مياه النيل، "الخط الأحمر" كما حدّده، متوعّداً بأن المسّ بمياه مصر سيهدّد "استقرار المنطقة بالكامل". لكنه قال إن المعركة هي "معركة تفاوض" متمنياً التوصّل الى "اتفاق قانوني ملزم" بالنسبة الى ملء السدّ وتشغيله. وبالطبع ينبغي انخراط الطرفين في التفاوض ليكون هناك اتفاق. لم تكن التحذيرات موجّهةً الى اثيوبيا فحسب، بل أيضاً الى الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي لتفعيل ضغوطهما على اديس ابابا، فضلاً عن الاتحاد الافريقي راعي المفاوضات الذي أصبح متهماً بأحد أمرين، الانحياز الى اثيوبيا أو عدم أهليته للتوسّط، وفي الحالين مسّت الحاجة الى توسيع رعاية المفاوضات بإشراك الأميركيين والاوروبيين والأمم المتحدة، علماً بأن هذه الأطراف توسّطت مع اثيوبيا من دون جدوى بل ان إدارة ترامب والبنك الدولي دعيا الأطراف الى اجتماعَين وأمكن التوصل الى نصّ يحل الكثير من العُقد الفنية لكن اديس ابابا رفضت التزامه.

في أي حال ساهمت تحذيرا عبد الفتاح السيسي في التعجيل بجولة تفاوض في كينشاسا، بعد انقطاع من تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، ويُفترض أن تكون مختلفة عن سابقاتها لا أن تستمر تمريناً جدلياً آخر على منهج التفاوض، أو تفاوضاً من دون استعداد للالتزام. فالعُقدة تُراوح الآن في المسائل الفنيّة التي أُشبعت درساً وتنتظر موافقة الاثيوبيين عليها، تطبيقاً لمبادئ التنسيق والتعاون وعدم الإضرار. والمطلوب عاجلاً اتفاق قبيل موسم الأمطار، منتصف حزيران (يونيو) المقبل كحدٍّ أقصى. إذا أخفق هذا السيناريو واستمر التهرّب من أي التزام قبل الملء الثاني تكون اثيوبيا كسبت سنة مماطلة أخرى، لكن عملية السدّ ستستغرق خمساً الى سبع سنوات، وفي مصلحتها حماية سدّها بالسلم وليس بالتعنّت أو الحرب مع جيرانها. أي فشلٍ جديد للمفاوضات سيعني بوضوح عدم وجود إرادة سياسية في اديس ابابا لإنجاز أي اتفاق، وتمسّكاً باعتبارات "سيادية" جرى التعبير عنها مراراً بأن النيل "ملكية اثيوبية"، وهذا في حدّ ذاته مخالفة للقانون الدولي تكفي لإدانتها في مجلس الأمن وتحذيرها من تهديد الأمن والسلم العالميين.

(عن صفحته - فايسبوك)