ماذا عن "التطبيع" مع تركيا وإيران؟

سياسة

تم النشر في 11 مايو 2021

عبدالوهاب بدرخان

تنشط الديبلوماسية الإقليمية لمواكبة المتغيّرات الأميركية تجاه الشرق الأوسط والخليج، كذلك لتصحيح أوضاع بلغت ذروة التعقيد بسبب التحوّلات التي شهدها العالم العربي خلال العقد الماضي، ولا يزال يعيش ارتداداتها. ثمة اقتناع عربي بأن سياسات واشنطن لم تكن، حتى أيام دونالد ترامب، مهتمّة بالمصلحة العربية في تصحيح الخلل الحاصل جرّاء تغوّلات القوى الإقليمية (إسرائيل وإيران وتركيا، بالإضافة الى اثيوبيا أخيراً). بل كانت، وتتأكد الآن مع ادارة جو بايدن، توزّع الأدوار على هذه القوى، وتدفع العرب الى التكيّف مع واقع جديد لا يمكن أن يستقيم أو يتحسّن إلا بمقدار ما يستطيع العرب إيجاد تكافؤات وتفاهمات مع جيرانهم الاقليميين. ففي هذا الإطار تُفهم بدايات الحوار الهادف والمتقدّم بين مصر وتركيا، والمحادثات الاستكشافية بين السعودية وإيران. وعلى عاتق هاتين الدولتين العربيتين يقع عبء "خفض التوتّر" والتأسيس لعلاقات إقليمية تراعي السيادة والمصالح.

لم يكن الرئيس العراقي ليؤكّد شخصياً استضافة بغداد "أكثر من جولة محادثات" بين السعودية وإيران لو لم يكن متيقّناً أن الدولتين لا تمانعان إفصاحه عن لقاءات مسؤولين منهما. ولعل برهم صالح أراد الدفع بهذه المحادثات قدماً، لأن إخراجها من التكتّم يلقي على الطرفَين مسؤولية إنجاحها وبلوغ نتائجها المتوخّاة. ومن جانب آخر يريد العراق تأكيد تغيير يحصل في داخله ويسمح له أخيراً بممارسة دور الوساطة الذي طمح إليه، ويتطلّع الى الاستثمار فيه لئلا يبقى ساحات صراعات إقليمية ودولية.

وإذ قال أيضاً، في الحوار الذي نظّمته مؤسسة "بيروت انستيتيوت" إن العراق يريد "دمج إيران في الإطار الإقليمي لكنه حريص على سيادته"، فإنه بتوضيحه أن بغداد وواشنطن "لا ترغبان في وجود قوات أميركية بشكل دائم في العراق" وضع سقفاً للإشكال الذي توظّفه طهران اقليمياً، وأعاده الى حجمه الواقعي لافتاً الى أن القضاء على الإرهاب يستوجب "تعاوناً دولياً" وأن ميليشيات "الحشد الشعبي" يجب أن "تخضع بكاملها لسلطة الدولة العراقية". وهكذا فإن الرئيس برهم برهن، كما يفعل رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، أن العراق أصبح عملياً مختبر المرحلة الانتقالية في المنطقة.

بعد يومين جاء تأكيد سعودي أول لمحادثات بغداد من السفير رائد قرملي، مدير إدارة تخطيط السياسات في الخارجية، مع توضيح لأمرين: الهدف هو "خفض التوتر في المنطقة"، وضرورة "ان ترى السعودية أفعالاً (إيرانية) يمكن التحقّق منها"، وبالتالي فلا "استنتاجات محدّدة" حتى الآن، كما قال. لكن هذا لا يمنع استنتاجَين أوليين، أولهما أن المحادثات لا تزال في مرحلة استكشافية، والآخر أن الكرة في ملعب طهران، كما كانت دائماً على أي حال. قبل ذلك، كان حوار متلفز أتاح لولي العهد الأمير محمد بن سلمان اعلان النيات السعودية ("إيران دولة جارة ونطمح لعلاقة طيبة ومميزة معها"، "لا نريدها أن تكون في وضع صعب بل مزدهرة وتنمو")، كذلك تحديد "الإشكاليات" ("تصرفات سلبية تقوم بها إيران، سواء في برنامجها النووي أو دعمها لميليشيات خارجة عن القانون").

أعاد موقف الأمير محمد التذكير بكل ما سبق أن أطلقته بيانات القمم الخليجية والعربية والإسلامية من دعوات الى إيران كي تجنح الى السلم وتراعي حسن الجوار وتلتزم القوانين الدولي باحترام سيادة الدول وعدم التدخّل في شؤونها الداخلية. ولا شك أن الإشارة الى الميليشيات الخارجة عن القانون توصّف ذلك التدخّل، مثلما أن الإشارة الى البرنامج النووي تُعزى الى التهديد الذي تمثّله إيران للسلم الإقليمي والدولي. وفي ضوء هذه المبادئ يمكن استشراف أي تفاهم إقليمي قابل للعيش، فالعرب لم يغزوا بلداناً عربية بميليشيات مذهبية، ولا يقدّمون مصالحهم على أساس "تقاسم النفوذ" في هذه البلدان.

بالتزامن بدأ حوار معلن بين مصر وتركيا بعدما بلغتا العام الماضي حدّ المواجهة العسكرية في ليبيا، وبعد ثمانية أعوام من شبه قطيعة ديبلوماسية بسبب تضامن أنقرة مع جماعة "الاخوان المسلمين" ورفضها العملية السياسية التي أطاحت الرئيس الاخواني الراحل محمد مرسي عام 2013. جاءت المبادرة لـ "اصلاح العلاقات" من الجانب التركي فاستجيبت بلقاء بين مديرَي الاستخبارات ثم بمشاورات ديبلوماسية قد تتلوها إعادة السفيرين ولقاء بين وزيرَي الخارجية. لم تشكّل قضية احتضان أنقرة معارضين مصريين عائقاً أمام توجّه الدولتَين الى تغليب المصالح على الخلافات، فسرعان ما ضبط الأتراك القنوات الفضائية والمنصّات الإعلامية التي وظّفها "الاخوان" ضد النظام المصري، فيما أُعطيت توجيهات الى الإعلاميين المصريين بعدم انتقاد تركيا. وتفهمت القاهرة معارضة أنقرة تسليم أي معارض مطلوب من القضاء المصري.

كانت تلك مقدمات قبل النظر بعمق الى التفاصيل، إذ لا يبدو "التطبيع" بين القاهرة وأنقرة مسألة شائكة، رغم التعقيدات التي طرأت خلال فترة القطيعة. وقد سبقتها محاولات تركية دؤوبة للتقارب مع السعودية، وبدرجة ما مع الإمارات، إذ حرص الرئيس رجب طيّب اردوغان على الاتصال دورياً بالملك سلمان بن عبد العزيز، بل ذهبت أنقرة الى حدّ القبول رسمياً بالمسار القضائي الذي اتّبعته الرياض حيال جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول، بعدما كان هذا الملف أدى الى تدهور غير مسبوق للعلاقات بين البلدَين.

يُفترض أن تطبّق المبادئ ذاتها في المسارين التركي والإيراني، كذلك في المسار الإسرائيلي، وأن يكون هناك توافق عليها وتنسيق على المستوى العربي. لا شك أن هناك إشكاليات صعبة في العلاقات الثنائية، لكن حلّها ممكنٌ ليس مستحيلاً، بل ان إيران وتركيا مستعدّتان لتنازلات في هذا المجال كي تحصلا على اتفاقات يمكن أن تسّهل التفاهم على قواعد التعايش في الدول التي أصبحت "دول تماس" تعاني من تدخّل إيراني - تركي كسوريا والعراق، أو تدخّل إيراني كاليمن ولبنان، أو تدخّل تركي في ليبيا، فضلاً عن حاجة أنقرة الى اتفاق مع القاهرة لتحصل على شرعية التنقيب عن النفط والغاز في مياه شرق المتوسّط. إذا كان الهدف النهائي هو "تطبيع" العلاقات مع إيران وتركيا، ولكي يكون سليماً ونموذجياً، فإنه يفترض مثلاً أن يؤدّي التطبيع مع إسرائيل الى ممارسات غير تلك التي تشهدها القدس في هذه الأيام.

المصدر: العربية.نت