مناورة طهران من غزّة الى فيينا

سياسة

تم النشر في 19 مايو 2021

عبدالوهاب بدرخان

لا الصواريخ التي أطلقتها "جهة مجهولة" من الأراضي اللبنانية وإليها مجهولة المصدر فعلاً. ولا "فقاعات" الوزير البائس ضد دول عربية مجهولة النيات والدوافع والمرجعية. هناك أوجه شبه بينهما، إذ تمثلان "حزب الله" من دون أن يكون في الواجهة. الصواريخ لن تشعل حرباً على لبنان، لكن شربل وهبة بدا مكلّفاً النطق بما يعمّق عزلة لبنان، كأنه يردّ على البطريرك بشارة الراعي غداة قوله "لا نقبل بتاتاً أن يُعزل لبنان للإطباق عليه بعيداً عن انظار العالم".

أراد "الحزب" بتمريره الطلقات الصاروخية أن يذكّر إسرائيل بأن لديه أذرعاً تتحرّك بأمره لإظهار التواصل والتضامن مع "سلطة غزّة"، وليس مع فلسطين. فكما أن "الحزب" لم يعد معنيّاً لبنانياً إلا بما يحافظ على سلاحه وسلطته، وليس معنيّاً سورياً إلا بما يحافظ على مصالح إيران، كذلك "حماس" والجهاد" غير معنيّتين فلسطينياً إلا بما يمكّنهما من خدمة المشروع الايراني بانتزاع السيطرة الكاملة على القرار الفلسطيني. الصواريخ من جنوب لبنان الى جنوبه أُطلقت في لحظة دقيقة، ولم تهدف الى اشعال جبهة أخرى ضد العدو، بل أُريد بها إبلاغ القوى الدولية، والعربية، أن البحث عن وقف لإطلاق النار أو "تهدئة" في غزّة لا بدّ أن يكون بالاعتراف بـ "فصائل المقاومة" والاتصال المباشر بها، وإذا تعذّر ذلك يمكن العودة الى مرجعيتها في طهران.

تعتبر فصائل غزّة أنها تؤسس في الحرب الحالية معادلة جديدة مع العدو، قوامها "الردع"، على غرار ما فعل "حزب الله" في حرب 2006، ولا تنظر الى الخسائر البشرية والعمرانية، فهذه ثمنٌ متوقّع للنتائج اللاحقة، أي للمكاسب "الاستراتيجية". خلال خمسة عشر عاماً من "الردع" قاد "حزب الله" لبنان من فشل الى عزلة، ومن عقوبات الى ما يقرب من حصار دولي، الى أن تفجّر كلّ أزماته الداخلية، وأصبح العالم يتعامل مع المجتمع لا مع الدولة لئلا يتعامل مرغماً مع "دويلة الحزب".

خلال الفترة نفسها، بالتزامن، استدرجت "حماس" وسائر الفصائل قطاع غزّة الى حصار إسرائيلي صار أكثر من اسرائيلي، وكرّست انقساماً فلسطينياً تحوّل تدريجاً من انقلاب على سلطة رام الله الى "دويلة"/ "امارة" منفصلة، حتى من دون أن تحقّق الفصائل "الردع" الذي تسعى إليها، بل من دون أن تعرف كيف ستستثمر هذا الردع في قطاع معزول جغرافياً. كل ما استطاعته أنها أقامت أمراً واقعاً يتعيّش على المساعدات التي تسمح إسرائيل بمرورها لقاء أن تحافظ "حماس" على "التهدئة".

شكّلت الحرب الحالية، وفقاً للمنطق الإيراني، فرصة ذهبية لإشعال الجبهات الثلاث: الجولان وجنوب لبنان وغزّة. التحرّك من سوريا متاح لكنه ليس حرّاً، ومن لبنان متاح وغير مضمون العواقب لـ "الحزب". المصلحة الراهنة لطهران تكمن في إنجاح مفاوضات فيينا بشروطها، لذا فهي تكتفي بصواريخ غزّة لتشير الى واشنطن بما ينتظرها إذا فتحت ملف السياسات الإقليمية لإيران.

(عن صفحته - فايسبوك)