من التعطيل إلى التعجيل

سياسة

تم النشر في 3 يونيو 2021

عبدالوهاب بدرخان

طوال الأزمة الحكومية في لبنان، وقد دخلت شهرها الثامن مع احتمال التمديد، كان "حزب الله" يقدّم نفسه مسهِّلاً لا معرقلاً، وبدا كأنه الفريق الأقلّ شروطاً أو حتى بلا شروط، متجاهلاً أن وجوده في أي حكومة معلناً أو مستتراً كفيلٌ بإحباط أي اصلاحات أو مساعدات دولية. وظلّ "الحزب" متعايشاً مع/ ومتبرّئاً من التعطيل المنهجي الذي التزمه حليفه "العوني" بممارسات مكشوفة غير دستورية، سواء للحفاظ على هذا التحالف، أو لأن ألاعيب الحليف أبعد مسؤولية التعطيل عنه، ثم أن التعطيل كان يحقّق له أهدافاً "استراتيجية"، أي إيرانية، لا علاقة بالأزمة الطاحنة التي تعصف بلبنان واللبنانيين.

فجأة، أصبح "حزب" متعجّلاً، ويريد الحكومة في أقرب وقت، إمّا بتفاهم بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري، أو إذا تعذّر ذلك "بالاستعانة" بالرئيس نبيه برّي. لماذا؟ ليس لأن برّي كرّر أخيراً أن الوضع في البلد لم يعد يحتمل التأخير، بل لأن ثمة اسباباً أخرى لتعجّل "الحزب" يمكن أن تُعزى الى متغيّرات واعتبارات غير لبنانية: 1) حرب غزّة التي شارك "الحزب" في إدارة جانب مهمٍّ منها فرضت تحوّلاً اقليمياً يريد "الحزب" التفرّغ له. 2) طهران تبدي ارتياحاً الى مفاوضات فيينا يعزّز اعتقادها بأن "محور الممانعة والمقاومة" يحرز تقدماً. 3) سيطرة "الحرس الثوري" والمحافظين على كل السلطات في إيران، فيما تعطي واشنطن إشارات ثابتة الى أنها في صدد مهادنة طويلة مع طهران. 4) إعادة انتخاب بشار الأسد يراد لها أن تدشّن مرحلة جديدة شعارها دحر "المؤامرة الكونية"، وأن تنعكس أيضاً على لبنان. 5) فشل مشروع العقوبات الأوروبية على "المعرقلين" في لبنان وانتقال فرنسا، بعد احباط "مبادرتها" الى مساواة "الجميع" في المسؤولية...

لكن هناك الأهمّ، وهو تاكّد إيران و"حزبها" من أن ثمة خطّاً اقليمياً، بالأحرى عربياً، بات يلعب أيضاً لعبة التعطيل، لكن من خارج اشرافهما وخططهما واختراقاتهما، وبالتالي يستوجب منهما تغيير المسار لبنانياً. فالتنازل الإيراني الشكلي في لبنان لا يتسبّب بخسائر مهمّة لـ "الحزب"، ويمكن بيعه خارجياً بأنه "مرونة إيرانية"، خلافاً لتنازلٍ في اليمن لم يحن وقته، على رغم التحرّك الأميركي - الأممي واستمرار المحادثات السرّية مع الرياض. كان "حزب الله" يلعب التعطيل في لبنان لـ "التمريك" على القوى الخارجية، بما فيها العربية، والآن يلعب التعجيل لتوكيد فاعلية هيمنته على لبنان، ثم أن "مهمّاته" الإقليمية المقبلة في "محور المقاومة" باتت تتطلّب اقفال الملف الحكومي.

الدوافع للتعجيل بالحكومة كانت ولا تزال ماثلة في التدهور الاقتصادي والمعيشي وفي الاستجابة لكارثة تفجير مرفأ بيروت، لكن "الحزب" وحلفاءه لم يأخذوا ذلك في الاعتبار. وبينما كان "الحزب" يدير معركة غزّة كان الآخرون يتلهّون بتفاصيل تشكيل الحكومة، وبأن عون وجبران باسيل مصرّان على إقصاء الحريري. لكن، مَن قال إن "تسوية" بين الحريري وباسيل يمكن أن تضفي مصداقيةً على أي حكومة.

(عن صفحته - فايسبوك)