مستقبل لبنان بين الراعي ونصرالله

سياسة

تم النشر في 9 يونيو 2021

عبدالوهاب بدرخان

في لبنان بوصلتان لمعرفة اتجاه الأزمة ورياحها: البطريرك بشارة الراعي، والأمين العام لـ "حزب الله" حسن نصرالله. الأول يستند الى سلطة معنوية أصبحت قبلة أنظار تيار واسع عابر للطوائف، والثاني الى سلاح غير شرعي أصبحت له سلطة ترهيب لكل الطوائف.

ينطلق البطريرك من حسّ عالٍ بالمسؤولية الوطنية تجاه البلد والمجتمع مفنّداً انحرافات منظومة الحكم والوسط السياسي، ولا يكلّ من التنبيه الى التلاشي المستمر للدولة، وما يترتّب عن ذلك من انعكاسات بدءاً من الشرعية والسيادة وعلاقات لبنان العربية والدولية، الى تأثيره الكارثي المباشر في حياة اللبنانيين. ولم تكن دعواته الى مؤتمر دولي يكرّس حياد لبنان سوى تذكير بالأسس التاريخية التي قام عليها البلد واستقلاله.

أما الأمين العام لـ "الحزب" فلا يكفّ عن التعبير بكل الأساليب عن انشغالات إقليمية يبدو معها الشأن اللبناني جانبياً أو بلا أهمية، طالما أن "حزبه" أنجز إحكام قبضته على مفاصل الدولة وبات يمارس استبداده واغتيالاته من دون إزعاج ولا محاسبة. ومع إدراكه أن عزله لبنان عربياً ودولياً أدّى الى مفاقمة الأزمة الاقتصادية فإنه لا يبالي بهذه الأزمة لأن أسلحة "الحزب" وأمواله مؤمّنة، ولا يسهّل المبادرات الخارجية لمعالجتها، بل انه يولي اهتماماً أكبر بتخفيف تداعيات الأزمة على النظام السوري.

لا تُحصى محاولات البطريرك لحلحلة المعضلة الحكومية الراهنة لكنه اصطدم بالجدار "العوني – الباسيلي" الذي بُني تصلّبه وعنته على الانتهازية المتبادلة التي صيغ بها تحالفه مع "حزب الله". لا بدّ أن الراعي تأكّد بأنه إزاء رئيس وصهر مهووسين بمآربهما ولا يشاركانه القيم والهموم التي ينطق باسمها، ولا الأهداف اللبنانية التي يدافع عنها. في المقابل، تعلّق الجميع أخيراً بكلمة من نصرالله عَنَت أن الجميع يأتمر بأمره وأن مصلحته تقتضي الآن إنهاء التجاذب لتسهيل ولادة الحكومة. وعلى الفور ارتسمت ملامح "مبادرة" يقودها رئيس المجلس النيابي، ولا تزال مطروحة لكن الكلام عن مخارج لـ "عقبة الوزيرين المسيحيين" يتناسى معضلة لا علاج لها، وهي هذا الحقد "العوني – الباسيلي" الأسود، السياسي والشخصي، تجاه الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة.

يهجس البطريرك بمستقبل لبنان، ما بعد الأزمة الحالية، وفي عظته الأخيرة لفت الى "نيةٍ لإسقاط لبنان بعد مئة سنة من تكوينه ظناً منهم أنهم أحرار في إعادة تأسيسه من جديد"، وقال "لن نسمح لهذا المخطط بأن يكتمل، ولن نسمح بتغيير نظام لبنان الديموقراطي وتزوير هويّته". لكن هذا الكلام المعبّر عن غالبية لبنانية صامتة يفتقد دعم قوى فاعلة داخلياً. أما أحادث نصرالله فتشي بأنه بات قابضاً على هذه القوى، وعلى مستقبل البلد. فإفقار اللبنانيين وإذلالهم ودفع كفاءاتهم الى الهجرة تصبّ في مصلحة مشروعه. ونجاحه في دفع الدول العربية الراعية تقليدياً الى التخلّي عن لبنان مكّنه من تجيير هذه "الجائزة" لمصلحة إيران ونفوذها الذي تبدو التحوّلات الأميركية والإقليمية متجهة الى تعزيزه.

(عن صفحته - فايسبوك)