سموم العتمة.. مأساة جديدة تفتك باللبنانيين والعلاج "من الخارج"

الأخبار

تم النشر في 12 أغسطس 2021

لم تعد العتمة الشاملة مجرد سيناريو يتم التحذير منه في لبنان، فمناطق البلد كلها دخلت بالفعل مرحلة الحياة دون كهرباء في ظل أزمة غياب المحروقات في البلاد، ولاسيما مادة المازوت، مما أدى إلى توقف عمل مولدات الكهرباء الخاصة، فيما إنتاج الدولة للكهرباء لا يكفي تغذية ساعتين بمعدل متوسط بين المناطق، من أصل 24 ساعة.

آثار هذه الأزمة لا تنتهي: مصالح ومحال ومعامل ومصانع، مستشفيات ومطاعم وفنادق، وكل ما يمكن أن يرتكز على الكهرباء في عمله، يتوقف اليوم في لبنان، وكل قطاع يستهلك آخر ما تبقى لديه من مخزون المازوت ليعلن بعدها الاستسلام للأزمة.

أحدث تداعيات انقطاع التيار الكهربائي، باتت تهدد صحة سكان البلاد وأمنهم الغذائي، إذ رافق الأزمة ازدياد كبير في حالات التسمم الغذائي الناتج عن فساد الأطعمة في المطاعم والمتاجر والمنازل، حتى بات الأمر روتيناً يومياً متكرراً في طوارئ المستشفيات، يرصده أطباء الطوارئ على شكل موجات، ترتفع مع اشتداد أزمة الكهرباء وتنخفض بعد وصول إمدادات المازوت إلى الأسواق وتحسن التغذية الكهربائية، وذلك وفق ما تؤكد مصادر طبية في مستشفيات عدة في بيروت لموقع "الحرة".

وفي أحدث مثال على واقع الغذاء في لبنان، نشر الدكتور في الجامعة الأميركية في بيروت عصمت قاسم، نتائج فحوص أجريت على جبنة "العكاوي" المشهور استخدامها في المناقيش، أشهر وجبات الفطور في لبنان. إذ سحبت عينات من مناطق وأحياء عدة في بيروت أظهرت تلوثًا عاليًا ببكتيريا الإشريكية القولونية (إي كولاي).

وأكد قاسم في تغريدته أن مثل هذه النتائج متوقعة في ظل غياب الكهرباء وانقطاع الوقود، وستزداد سوءاً، داعيا اللبنانيين للاهتمام بسلامة غذائهم.



طوارئ مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، باتت تسجل يومياً وصول حالات تسمم عدة، وحسب ما أكدت مصادرها لموقع "الحرة" فإن عدد الحالات أعلى بكثير من المعدلات الطبيعية التي كانت ترد إلى المستشفى بحالة تسمم غذائي.

الأمر نفسه يحدث في "مستشفى بهمن" في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث يؤكد أحد الممرضين في قسم الطوارئ لموقع "الحرة" أن نحو نصف الحالات التي تصل إلى طوارئ المستشفى منذ أكثر من أسبوع هي حالات تسمم غذائي، ترتبط بشكل مباشر بالطعام الفاسد والمضاعفات الناتجة عنه، والحال ذاتها بالنسبة إلى معظم مستشفيات العاصمة وباقي المدن اللبنانية.

وتنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي عشرات الحالات لمن يتحدثون عن تعرضهم للتسمم من مصادر أطعم مختلفة، المشترك الوحيد بينها أن تخزينها السليم يعتمد على الكهرباء، مثل الأجبان والألبان واللحوم والأسماك والخضراوات، وكذلك "البوظة" والمأكولات الجاهزة المثلجة وغيرها.

"الداء" ينتشر والدواء من خارج الحدود

إسهال، ألم في البطن والرأس وتقيؤ شديد وجفاف في الجسم، هذه أبرز العوارض التي تسجلها المستشفيات لحالات التسمم الغذائي، وفيما كانت الظاهرة تتركز في حالات تناول الطعام بالمطاعم، فقد انتقلت إلى داخل المنازل والسوبرماركت، وبدلا من حالة أو حالتين بات يسجل إصابة عائلات بأكملها.

نورما سكيكي، مغتربة لبنانية في الإمارات، قررت اصطحاب أولادها لقضاء عطلة قصيرة في بلدها، لكنها أصيبت مع أولادها بالتسمم، بعد تناول الغداء في أحد المطاعم الشهيرة، والفاخرة، بمنطقة جزين، جنوبي لبنان.

وفصلت ساعات قليلة بين تعرض جميع أفراد الأسرة لعوارض ذلك التسمم، إذ بدأت ليلاً مع نورما بألم شديد في البطن وتقيؤ مستمر، ثم ما لبثت أن انتقلت الحالة للجميع فرداً تلو الآخر.

أخطر من التسمم

"الأخطر من التسمم هو انقطاع الصيدليات من الأدوية الخاصة بحالات التسمم"، وفق ما تؤكد نورما، إذ بحث أهلها وأقاربها لساعات عن دواء "فلاجيل" دون جدوى.

وتضيف: "من حسن حظنا أن زوجي كان سيصل صباح اليوم التالي إلى مطار بيروت قادماً من الإمارات، تواصلنا معه وطلبنا منه إحضار الدواء والحقن الخاصة، وبالفعل لم نستطع الحصول عليه حتى وصل من خارج الحدود، أنني حتى لم أجرؤ على التوجه إلى مستشفى (خلال الأزمة)، فقبل مدة قصيرة جداً تعرضت ابنة صديقة لي لتسمم مشابه وبعدما توجهت بها إلى المستشفى عادت وقد التقطت فيروسا أخطر، لا تزال تعالج منه".

"هذه الواقعة أخطر ما شهدته في لبنان"، تقول نورما، "أن تكون في حالة صحية طارئة ولا يأتيك الإنقاذ أو العلاج إلا من خارج الحدود، منذ تلك اللحظة وأنا أفكر في موعد عودتنا إلى الإمارات واتصل يوميا بشركة الطيران لتعجيل موعد السفر، هذه أول مرة في حياتي يراودني شعور الرغبة بالرحيل عن لبنان إلى هذا الحد، بسبب كل ما عانيته في بلدي، إذ لا يكفي هنا أن يكون معك مالاً كافياً، الوضع أخطر من الفقر والقدرات المادية".

"فوبيا طعام" ووسواس قهري

أما جورج المعلم، فإن تسممه جاء من داخل ثلاجته، فمع إبلاغه من صاحب مولد الكهرباء بأن التيار دخل مرحلة انقطاع تام إلى حين تأمين مادة المازوت، لجأ إلى طهي كل ما كان قد خزنه في ثلاجته من لحوم وخضراوات، وعجل في استهلاك الأطعمة والأجبان على مدار يومين، ليتفاجأ في اليوم التالي بتعرضه وزوجته وابنه لتسمم شديد دخلوا على أثره إلى المستشفى بحالة طارئة بعد عجزهم عن الحصول على الأدوية اللازمة، وشخصت حالاتهم على أنها تسمم غذائي ناتج عن تناول لحوم فاسدة.

وتحدث جورج عن "12 ساعة كانت كالموت، الألم من جهة وانقطاع الدواء من جهة أخرى، إضافة إلى الخوف على العائلة والشعور بالذنب لكون الطعام الذي تسبب بتسممهم من داخل المنزل، اليوم لا نتجرأ على تناول أي شيء، نعيش على الحساء والحبوب والبطاطا المسلوقة، يعيش ابني حالة فوبيا من الطعام، يسألني قبل تناول أي شيء إن كان (يسمم أو لا)، فيما تعيش زوجتي وسواساً قهرياً في اختيار الأطعمة وطبخها بعد كل ما عانيناه".

ومع ذلك فإن القرار الذي اتخذه جورج لم يكن خاطئاً تماماً، فبحسب ما تؤكد المتخصصة بالهندسة الغذائية سارة عساف الشماس، أول ما يجب فعله لتجنب التخلص من الطعام، وتجنب فساده هو استعماله بأسرع وقت ممكن، خاصة في الحالات التي تنقطع فيها الكهرباء عن البرادات أكثر من 4 ساعات. أما أقل من 4 ساعات فيمكن إعادة استعمال الطعام لكون البرادات قادرة على حفظ درجات الحرارة لهذا الوقت، ومن بعده تفقد حرارتها أسرع وبالتالي تصبح بيئة مناسبة لتكاثر البكتيريا التي كانت مجمدة في درجات الحرارة المنخفضة.

والأمر نفسه بالنسبة إلى الأطعمة المثلجة والمخزنة بالثلاجات، فبمجرد ذوبان الثلج يجب طهيها فوراً قبل أن تفسد، لاسيما اللحوم والدجاج والأسماك، التي لا يصلح إعادة تثليجها مرة أخرى أو ذوبانها لأكثر من مرة، ويفترض طبخها بأسرع وقت قبل أن تصبح سامة كيميائياً أو مسممة ببكتيريا مثل "السالمونيلا" والـ"إي كولاي".

تحذيرات طبية.. وكورونا في المشهد

ويوضح الدكتور المتخصص بالأمراض الجرثومية، حسن رحال، أن هذه الأنواع من البكتيريا موجودة بالأصل في كثير من الأطعمة واللحوم والخضراوات، مشيرا إلى أن حالات التسمم الغذائي بدأت بالظهور في لبنان منذ فترة ما قبل انقطاع الكهرباء، ولكن انقطاعها المستمر الآن، أدى إلى تفاقم هذه الظاهرة وانتشارها أكثر، حيث بات الحفاظ على المواد الغذائية من دون برادات أصعب، ويزداد تكاثر البكتيريا في الطعام مما يؤدي إلى حالات التسمم.

وبعيدا عن ماهية البكتيريا ونوعها العلمي، فإن المعادلة البسيطة تفيد بأنه في حال سوء تخزين الطعام سيكون التسمم أمراً واقعاً لا مفر منه، وعليه يجب على الناس في هذه المرحلة الابتعاد قدر الإمكان عن تناول الحليب ومشتقاته، واللحوم المبردة والمثلجة والبيض، وإن كان لا بد منها فيجب الحرص على شرائها من مصادر موثوقة بتخزينها وتحضيرها، خاصة في فترة الصيف.

ويتفاوت تأثر الأجسام بالتسمم بحسب قوة مناعتها، وفق ما يؤكد الدكتور رحال، كذلك بالنسبة إلى كمية الطعام الفاسد التي تم تناولها، حيث تتفاوت الأعراض بحسب الكميات أيضاً. ويلفت رحال إلى أن "اللبنانيين يعانون من مصادر تلوث مختلفة وظروف بيئية وصحية تؤثر على مناعتهم بشكل عام".

كما ينبه إلى وجوب الانتباه للأدوية المستعملة في علاج التسمم، واستشارة الأطباء فيها، فليس كل دواء للتسمم صالح لمكافحة كل أنواع البكتيريا، "دواء فلاجيل مثلا غير موجود بالأسواق، والكل يحاول الحصول عليه لعلاج التسمم، لكن هذه الدواء لا يصلح لعلاج "السالمونيلا" مثلاً، ومثله أدوية أخرى لبكتيريا مختلفة، هناك ما يحتاج لأدوية التهاب، وهناك حالات لا تحتاج لأي شيء".

كما يلفت رحال أيضاً إلى وجوب الانتباه لانتشار فيروس كورونا، لاسيما متحور "دلتا"، الذي تظهر معه مضاعفات مرتبطة بالجهاز الهضمي، تشبه في بعض الأحيان عوارض التسمم، كالإسهال والتقيؤ، وهنا يجب التنبه لتلك العوارض، لاسيما من قبل المستشفيات، لتجنب الخلط بين الحالات والوقوع في مشكلات صحية أفدح.

ويختتم ناصحاً باعتماد الوقاية والتصرف بمسؤولية بالنسبة إلى مسألة سلامة الغذاء، حيث يجب الحرص دائما على غسل الخضراوات والتنبه لحالة اللحوم، ومصادرها، وعدم التساهل مع الأطعمة التي يحتمل ان تكون فاسدة، كذلك يجب الحرص على تعقيم أماكن الطبخ وغسل اليدين وتعقيمها، فهذه الأنواع من البكتيريا تنتقل أيضاً من مصادر أخرى وبطرق مختلفة، وليس فقط عبر الطعام.

الحل: تغيير العادات ونوعية الغذاء

من جهتها تنصح سارة سكان لبنان، لاسيما المناطق التي تعاني انقطاعاً طويلا في الكهرباء، باللجوء إلى الأطعمة الجافة التي يمكن حفظها لفترات طويلة خارج البرادات وبعيدا عن الشمس والرطوبة، مثل الحبوب والأرز وأطعمة المونة والكبيس، واللجوء إلى الأساليب القديمة في حفظ الطعام، كالقاورما مثلاً التي تقوم على طبخ اللحوم بدهونها وتخزينها فيها، بحيث لا تتكاثر الباكتيريا في الدهون، ولا يتطلب تخزينها درجات حرارة منخفضة جداً.

أما بالنسبة للخضراوات واللحوم والألبان والأجبان، فترى سارة أنه "على اللبنانيين أن يعتادوا شراء الكميات التي يحتاجونها فعلياً لكل وجبة على حدة، وأن يتوقفوا عن فكرة التخزين".

المصدر: حسين طليس - الحرة