حكايات الموت في عكار.. مأتم مفتوح "بلا نهاية"

الأخبار

تم النشر في 17 أغسطس 2021

على هضاب قريبة من البحر، وسهل عكار الممتد إلى الحدود، تقع الدوسة، وهي قرية لبنانية صغيرة تُشبه ناسها: فقيرة وبسيطة إلى أبعد حدود، مهمشة مثل باقي القرى المنتشرة حولها فيما يُسمى الدريب الأوسط.

تقول الأسطورة إن عكار سُمّيت بهذا الاسم نتيجة وجود أثر قدم لحصان نبي على ضفاف نهرها، الذي يقصده سكانها هرباً من بيوت لا يصلها التيار الكهربائي أبداً.

الطريق الواسع الذي يعبر وسطها لا يُعبر عما على جانبيه، هو طريق يصل من حلبا إلى القبيات تنتشر من حوله بلدات كثيرة تتشارك الفقر لا أكثر. لم يكن ليسمع بها أحد من خارج قضاء "الذل والحرمان"، كما يصفه ناسه، لولا المصيبة التي حلّت فيها وبسكانها المنهكين إلى حد الاستسلام.

والدوسة، البلدة الأقرب إلى التليل، حيث وقع الانفجار الذي أودى بحياة 28 شخصاً وأصاب العشرات، بينما يحاولون الحصول على محروقات مخزنة للتهريب أو الاحتكار قبل أن ينفجر الخزان بهم وبأحلام حصولهم على قليل مما يُضيء منزلهم أو يُشغّل سياراتهم. الانفجار الذي لم تتكشف أسبابه بعد، أو بشكل أدق، لم يصدر أي تصريح رسمي من جهة أمنية حول التحقيقات الأوليّة.

حين وصل الخبر إلى البلدة بأن الجيش اللبناني يوزع المحروقات المصادرة في التليل، هرع شبابها يحملون غالونات المياه الفاضية. أي شيء يستطيعون تعبئته بقليل من محروقات تُخفف من حرق أعصابهم أمام "محطات الذُل" في قراهم التي لا تعرف عنها السلطة سوى القليل، في "أوقات الحشرة"، كالانتخابات مثلاً. هذه ثابتة لديهم ويُدركونها تماماً: واقع أنهم منفيون لا جدال فيه في كُل بيت من البلدة، أو من أي بلدة محيطة.



 البلدة فقدت كثيرين. تعيش في حالة حداد تام، المُصيبة في كُل بيت وتختلف بين واحد وآخر. مجالس العزاء على امتداد الطريق العابر في وسطها. الناس من بلدات مجاورة أتوا لمواساة جيرانهم بالمصاب الجلل. السيارة التي تتسع لأربعة أشخاص، تكدست بسبعة. لا وقود، وكُثر يريدون الوقوف مع أهالي الدوسة.

4 ضحايا، يُصر الأهالي على اعتبارهم "شهداء" وأن يكونوا سواسية مع ضحايا المرفأ في التعامل معهم. يقول المختار عثمان شريتح: "مطلبنا أن يُعاملونا كما تعاملوا مع الأبرياء الذي سقطوا في 4 آب (أغسطس). أولادنا يدفعون ثمن التقصير والحرمان. نريد لهم العدالة التي لم يحصلوا عليها وهم أحياء. هل هذا كثير"؟

الطريق إلى منزل عادل شريتح لم يصله الإسفلت. في الفسحة أمام داره رجال أتوا يواسونه. يجلس الأب المفجوع يتمتم ويسأل أين ذهب أبناؤه.. فقد ولدين، حسين وعمره 32 سنة وفياض (22 سنة). كانا في المنزل حين سمعا أن الوقود متوفر. حملوا ما يُمكنهم من تعبئة الوقود فيه وذهبوا إلى التليل عند منتصف الليل. والولدان عسكريان، مثل اقي أخوتهما الشبان الستة، ووالدهما المتقاعد من المؤسسة.

يبكي عادل ولديه. يندب "هذا الزمن الذي جعله يخسرهما من أجل غالون مازوت أو بنزين". كل الأسى الذي يعيشه لم يجعله يكفر بالدولة، وعادل وعائلته في المؤسسة العسكرية. الحزن الذي يغرق فيه البيت لم يُفقدهم صوابهم أو المنطق بالحد الأدنى. بدر، شقيق الوالد المفجوع، يقول: "نحن ننتظر التحقيق. لا حديث ولا أحكام مسبقة قبل أن نرى نتائج التحقيق. نحن نعرف أننا مظلومون، ولكننا طلاب عدالة وقانون، فقط"".

8 شبان لدى عادل، يؤمنون بالمؤسسة العسكرية وقائدها ويضعون كامل ثقتهم به. يأملون ويتأملون وينتظرون. مقولة عكار خزان الجيش تصح في منزل عادل. 8 شبان جميعهم في المؤسسة، ويحتكمون لها، وانتماء أهالي القضاء إليها يُصبح أسهل على الفهم في دارة آل شريتح. في دارة عادل تحديداً.

لدى حسين ابنتان، إحداهما من ذوات الاحتياجات الخاصة. كان راتب والدها لا يكفيه علاجها فيعمل في الأرض أو في أي شيء يسمح له أن يكسب المزيد من المال حين لا يكون في الخدمة. "مسكين حسين"، يقول عمه بدر، ويُضيف: "يشقى ليعيل عائلته ويساعد ابنته في علاجها. يشقى كُل يوم. شقاؤه أوصله إلى الموت. ذهب برجليه كي يأتي بالبنزين الذي يؤمن له نقل الصغيرة إلى مركز العلاج. ذهب ولم يعد".

حكايات الموت في عكار لا تنتهي. قبل الانفجار وبعده. ضحايا ينتظرون مصيرهم الأسود. شُبان لا يملكون شيئاً، شُبان تجدهم يحاولون الحصول على القليل من المازوت من خزان وقود شاحنة تحترق. انتحاريون؟ نعم، ولكن ما هي الخيارات المُتاحة أمامهم. يقول شقيق عسكري آخر ذهب ضحية الانفجار: "ليس أمامنا سوى المخاطرة التي وحدها ترفع من نسبة بقائنا على قيد الحياة". معادلة واضحة لهم، يُخاطرون من أجل البقاء، والعكس يعني أنهم يموتون ببطء، هذا ما لا يُريدونه.

على مقربة من عائلة شريتح الأولى، على قارعة الطريق الواسع الذي يؤمن خط تنقل شاحنات الوقود من لبنان باتجاه سوريا، مجلس عزاء آخر، لعائلة شريتح أخرى، عائلة معين شريتح الذي أيضاً خسر ولدين، خالد 20 عاماً وجلال 16 عاماً. نصبوا خيمة أمام المنزل وصفّوا الكراسي وجلسوا يستقبلون المتضامنين المعزّين، الفارق بين البيتين، أن الغضب في الخيمة يكفي ليُشعل عكّار كلّها.

بينما يدخل المعزون ليشدوا على يد الوالد. أصوات طلقات نارية في مكان قريب. شُبان غاضبون يقطعون الطريق، يُريدون الانتقام. يصرخ أحدهم أنه لن يهدأ لهم بال قبل أن يثأروا، دقائق قبل أن يخرج والد الضحايا فيترك الشُبان الطريق نحو خيمة العزاء، وجوههم تتحدث عمّا يختلج في داخلهم. عيون تشتعل حقداً، أو أكثر.

من بين الضحايا الأربع، واحد تمكن الأهل من التعرف عليه. الثلاثة الآخرين جثثهم متفحمة. فتحوا مجالس العزاء ويحاولون شراء الصبر في انتظار أن يدفنوا أولادهم. إلى ذلك الحين، يدخل العقلاء إلى الخيمة ليهدئوا من روع شُبان في مُقتبل العمر، توقفوا عن البحث عن عمل وبات همهم اليومي كيف يؤمنون ربطة الخبز، أو بعض الأرغفة لهم ولأخوتهم وأهلهم.

شقيق خالد وجلال، كان معهم على ظهر الخزان حين انفجر. جسمه مُحترق كذلك قلبه. رأى شقيقيه يتحولان إلى جثتين محروقتين أمام عينيه. لا يعرف إن كان هناك عذاب أكبر من الذي عاشه. لا يجرؤ على الكلام ولا يقوى على الصمت. يغرف في حزنه وبصورة شقيقه وهما يفارقا الحياة. يقول: "كانا على مقربة من باب الخزان. رأيت النيران تعبر بجسديهما قبل أن أسقط محترقاً أيضاً". حظه كان أكبر، أو أسوأ.. وهذا الأرجح".

لا شيء في الدوسة يوحي وكأن السلطة قد زارتهم في السنوات التي مضت. فقط طريق عبور الشاحنات مؤمن وهذا المهم. خط التهريب بخير أما الباقي فتفاصيل، هذا ما هم مقتنعون به في البلدة. والد يبكي قليلاً ثم ينتبه إلى أن عليه أن يبقى قوياً أمام من تبقى من أبنائه. يحاول أن يبتسم ويردد بعض الجمل حول رضاه بحكم الله وبما رُسم لهم من شقاء. يحاول لدقائق قليلة قبل أن ينهار مجدداً، فينسحب على مهل إلى مكان مُظلم يبكي فيه وحيداً، يبكي كما يحلو له، يبكي على أولاده وعلى حاله وعلى البلد.

في الدوسة، عدا عن القتلى، هناك 11 إصابة، 6 منهم حالات حرجة، العزاء مفتوح وسيبقى حتى بعد دفن من مات ومن يُمكن أن يموت. في الدوسة، تقول الأسطورة إن حصان النبي قد داس فيها، ويقول الواقع إن السلطة قد داست عليها وعلى أهلها.

المصدر: الحرة