أزمة الكهرباء تهدد لبنان بـ "كارثة علمية" خسائرها لا تعوض

سياسة

تم النشر في 27 أغسطس 2021

هي ساعات قليلة تفصل المختبرات الـ "مايكرو-بيولوجية" للصحة والبيئة التابعة للمعهد العالي للدكتوراه في كلية الصحة العامة في الجامعة اللبنانية، عن انقطاع الكهرباء التام نتيجة أزمة انقطاع الكهرباء في البلاد، ونفاذ مخزون المازوت في مولداتها الخاصة، مع ما يعنيه ذلك من انقطاع للطاقة عن الثلاجات التابعة للمختبر والتي تضم أهم ثروة علمية وطنية تملكها الجامعة اللبنانية، وهي بنك السلالات الميكروبية.

هذا التحذير أطلقه رئيس المختبر، البروفيسور منذر حمزة، لتدارك ما وصفه بالكارثة العلمية التي قد تحل بلبنان في حال خسر هذه الثروة، مشيراً إلى أن "حوالي 10 آلاف سلالة ميكروبية، جمعت بجهد امتد على أكثر من 12 عاماً، ستكون مهددة بالتلف نتيجة هذه الأزمة، ما يعني خسارة علمية لا تقدر بكل ما للكلمة من معنى".

ويعيش اللبنانيون أزمة محروقات حادة ناتجة عن انقطاع المواد من الأسواق وصعوبة استيرادها بعد رفع مصرف لبنان للدعم الرسمي عنها، وعدم فتح اعتمادات كافية لتغذية حاجة السوق. وزاد من حدة الأزمة عجز كهرباء لبنان عن تأمين التغذية اللازمة للمناطق اللبنانية، وفرضها تقنيناً قاسياً أدى إلى اعتماد أكبر على المولدات الكهربائية الخاصة التي تعمل على مادة المازوت.

وتمثل هذه المختبرات نموذجاً عن مرافق حيوية عدة في البلاد توقفت عن العمل بسبب هذه الأزمة من بينها مستشفيات ومراكز صحية، ومؤسسات رسمية وخاصة، بالإضافة إلى مئات المصالح والمحال التجارية والمطاعم والفنادق التي ما عادت قادرة على الاستمرار في ظل غياب التيار الكهربائي والمحروقات.

وحول أهمية هذه المختبرات وثروتها البحثية والعلمية، يشير البروفيسور حمزة في حديثه لموقع "الحرة" إلى تمتع هذه المختبرات، بسبب ما تضمه من سلالات، بعلاقات بحثية عالية المستوى مع الكثير من الجامعات حول العالم من أوروبا إلى أميركا وكندا، وخصوصاً فرنسا، "حيث خرجت هذه المختبرات بالتعاون مع مختبرات بحثية في فرنسا، عدداً كبيرا من الباحثين في مرحلة الدكتوراه في مجال المايكرو-بيولوجيا الطبية".

ويضيف "أي مختبر بحثي في العالم لا يستطيع الادعاء انه مختبر بحثي إن لم يكن يملك بنكا للسلالات يعمل عليها ويجري أبحاثه، مثلا نحن حاليا نجري تحاليل وزارة الصحة المتعلقة بحالات الإصابة بكوفيد 19، وكل العينات التي سجلت إيجابية نحن نحفظ منها في بنك السلالات، منذ أغسطس 2020 ، ومعتمدين من وزارة الصحة في تشخيص حالات كورونا شمال لبنان وعند حدوده البرية والبحرية بين لبنان وسوريا، والباحثون يجرون اليوم الأبحاث على السلالات التي تم عزلها بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، ومركز الفايروسات التنفسية في ليون الفرنسية، وهناك تلامذة دكتورها يعملون على أبحاثهم، وبالتالي كيف سنتابع أبحاثنا على السلالات إن لم نعد نحفظها؟"

خسارة هذه السلالات تساوي في مجال البحث العلمي، زلزالاً يؤدي لدمار شامل في قلعة تاريخية عمرها آلاف السنين، لا يمكن ترميمه او تعويضه". وفق تشبيه حمزة الذي يلفت إلى أن "هذا جهد بذل على مدى 12 عاماً يضم مادة بحثية لا تعوض في حال خسارتها، فهذه السلالات هي موضع بحث مستمر ومادة جديدة دائمة للبحث عن علاجات جديدة ومضادات حيوية جديدة ودراسة تطور السلالات ومقاومتها للأدوية والمضادات لا يمكننا في هذا الوقت تحديداً خسارتها، هذا هو البحث العلمي وهذا ما يطلبه ولا يمكننا التطور في هذا المجال إن لم نوليه الأهمية الكافية للمحافظة على هذه السلالات".

حمزة يؤكد أن المعنيين في المختبر يسعون بشتى الوسائل والطرق لتأمين مادة المازوت، ولكن حتى الآن كل الجهود لم تصل إلى مبتغاها، ويناشد جميع المعنيين للتدخل قبل حلول الكارثة، معتبراً انه "لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تكون المراكز البحثية بهذا المستوى، أن نمضي كل وقتنا ركضاً ليلا ونهاراً لتأمين مازوت لتفادي الكارثة".

ويختم مطالباً بتأمين حل مستدام لهذه المشكلة يرقى إلى حجم الكارثة العلمية التي يمكن أن تحل في حال خسارتها، متمنياً أن لا تأتي الحلول بالشكل المؤقت الذي تتم فيه في معظم القطاعات الأخرى التي تعاني مع انقطاع المحروقات في البلاد.

المصدر: حسين طليس - الحرة