حروب البقاء

سياسة

تم النشر في 1 سبتمبر 2021

عبدالوهاب بدرخان

غير معاناة اللبنانيين، يوماً بيوم وساعة بساعة، لا شيء يستحق الذكر في لبنان. لا الدولة ولا الحكومة ولا السلطة موجودة أو ذات فائدة. أصبح واضحاً أن غيابها وفشلها وعجزها مطلوبة ولازمة للمشروع الايراني. مع تفاقم الوضع الأمني لم تعد تصحّ المقارنة مع أي بلد آخر، لا فنزويلا ولا أفغانستان ولا الصومال ولا غزّة أو فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي. الوضع الأقرب قد يكون في اليمن وسوريا. لكن هناك الأسوأ في مخيمات النازحين في العراق وسوريا. أي في الجغرافية التي حلّ بها الخراب الإيراني. هي مكابدة بل محاربة من أجل متطلّبات الحياة، بكلّ تفاصيلها، الى حدّ يعجز أي إعلام عن الإحاطة بها. الأزمة العميقة تترسّب وتعتمل في كلّ مكان، من البيت الى الشارع الى أفران الخبز والبقّالات والصيدليات ومحطات البنزين والأسواق... هناك من يُلفت الى أن الإغاثة الدولية للمخيمات توفّر حليباً للأطفال وأدويةً وحدّاً أدنى من الرعاية الصحّية للمصابين بأمراض مزمنة، وهو ما أصبح متعذّراً على غالبية من اللبنانيين.

تزداد الأزمة ضراوة. كل كميات الوقود والأدوية التي اكتشفت في مستودعات الاحتكار لم تُحدث أي فارق في سدّ الحاجات. المحتكرون اشتروا موادهم بأسعار مدعومة بأموال اللبنانيين وحجبوها ليهرّبوها أو ليضاعفوا أرباحهم حين يُرفع كل دعم، لكن القانون لا يعاقبهم، فهم مافيات مرتبطة بمتنفّذين في السلطتين: ميليشيا "حزب إيران/ حزب الله"، وأجهزة ما بقي من السلطة. هم صانعو أسعار السلع ومديرو السوق السوداء وبالتالي المهندسون المباشرون وغير المباشرين للفلتان الأمني الآخذ في الاستشراء. انتشار عصابات الخطف والسرقة والقتل يدلّ الى اهتراء متزايد في حفظ الأمن. شيئاً فشيئاً تتدهور بقايا الأمان الشخصي والاجتماعي. حرب البنزين (مغدوشة - عنقون)، حرب التحطيب (فنيدق - عكار)، حروب الاوكسيجين وأسرّة المستشفيات، حرب الكهرباء بأضرارها الشاملة... حروبٌ أخرى تبدو آتية ومحتملة، وكلّها حروب من أجل البقاء.

فيما يفتك الجوع والعوز باللبنانيين (55 في المئة تحت خط الفقر بحسب آخر تقديرات) يفتك السرطان الطائفي بالكيان اللبناني نفسه، وكأن البلد يتحلّل الى مناطق ومنعزلات يحاول كلٌّ منها عبثاً تأمين متطلّباته وأمنه الذاتي. وعلى رغم كلّ ما قيل ويقال عن دعم لمؤسستي الجيش والأمن فإن مخاطر الانهيار لا تزال محدقة بهما، بل ان المواطن يستشعرها من خلال أفرادهما. أساساً هناك مَن يراهن على هذا الانهيار، وهو "حزب إيران" بطبيعة الحال، حتى لو لم يكن قادراً على ملء الفراغ.

لم تفد المطالبة باستقالة الرئيس ميشال عون في حفزه على رفع الحواجز التي يضعها أمام الحكومة. الاستقالة المجدية فعلاً مطلوبة من الأمين العام لـ "حزب إيران". لم يعد الرئيس عون بحاجة الى حكومة في ما تبقّى من عهده، بل يريد ادامة مساهمته في تحلّل المؤسسات. هذا عقابه للبنان واللبنانيين، وحتى للعرب والعالم، الذين لا يريدون جبران باسيل وريثاً له.

(عن صفحته - فايسبوك)