أبعد من مجرد تعزية سعودية في المرجع الحكيم!

سياسة

تم النشر في 7 سبتمبر 2021

"تتقدم سفارة المملكة العربية السعودية بخالص التعازي والمواساة للشعب العراقي الشقيق برحيل المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم ونبتهل إلى الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وأن يسكنه فسيحَ جناته وأن يلهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون"، بهذه الكلمات غردَ حساب السفارة السعودية في العاصمة العراقية بغداد، بُعيد وفاة المرجع السيد محمد سعيد الحكيم، الذي وافته المنية إثر نوبة قلبية مفاجئة، بمدينة النجف، مقر الحوزة العلمية.



علاقاتٌ متنامية

التعزية قد يراها البعض بروتوكولية الطابع، وأنها تأتي في سياق تقديم العزاء برحيل مرجعٍ ديني يحظى باحترام الملايين في العراق والعالم الإسلامي، وأنه من الطبيعي أن تواسي المملكة العراقيين في هكذا مناسبة استثنائية.

إلا أن من يقرأ الكلمات والعبارات المنتقاة، ويتابع سياق تطور العلاقات بين الرياض وبغداد، والمنحى التراكمي الإيجابي لها، خصوصاً بعد تولي السيد مصطفى الكاظمي رئاسة الوزراء، يدركُ أن هذا الموقف من الرياض، هو أبعد من مجرد تعزية شكلية وحسب.

بينما كانت التحضيرات جارية لمواراة جثمان المرجع الحكيم الثرى، زار العراق وزير الداخلية السعودي الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف، حيث استقبله رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي.

الزيارة رغم قصر مدتها الزمنية، إلا أنها شهدت عدة لقاءات، مع وزير الداخلية العراقي عثمان الغانمي، ومستشار الأمن الوطني قاسم الأعرجي، ورئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي.

الأمير عبد العزيز بن سعود آل سعود، شدد على أن "ما يحيط بأمننا العربي من تحديات ومتغيرات إقليمية وعالمية يستوجب تكامل التعاون والتنسيق بين الأجهزة الأمنية في البلدين"، مؤكداً أن "ذلك هدف استراتيجي للحفاظ على الأمن والسلم الإقليمي والدولي"، معتبراً أن "استقرار العراق سينعكس ايجابياً على المملكة".

التواصل البناء

الجهاز الإداري في السفارة السعودية ببغداد، الذي يقوده السفير عبد العزيز الشمري، نشط منذ فترة طويلة في بناء علاقات ثقةٍ وحسنِ نوايا مع مختلف المكونات الاجتماعية والمذهبية والثقافية في العراق، بهدف توطيد العلاقة بين الرياض وبغداد من جهة، والعمل على حل المشكلات التي أرخت بظلالها إبان الفترة التي نشطت فيها الجماعات الأصولية، سواء "القاعدة" أو "داعش"، ولمنع أي تداعيات تنجم عن أعمال غير قانونية تقوم بها "المليشيات المسلحة" الموالية لإيران.

القيادة السعودية لديها قناعة بأن عراقاً قوياً، مستقراً، نامياً، سيكون مصلحة سعودية وإقليمية، وهذا الأمر عبر عنه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حين قال: "البلدان متجاوران، وكلنا عرب، ونتبع نفس الدين، ولدينا نفس المصالح، ونفس التحديات، فأنا سعيد جدا بتطوير العمل معكم ومع العراق"، وذلك خلال الاجتماع المرئي الذي جمعه برئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في نوفمبر 2020.

ضمن هذا السياق، كانت السفارة السعودية، تعمل على توطيد العلاقات مع مؤسسات وقيادات مدنية ودينية متنوعة، ومع شخصيات نجفية وازنةٍ، إضافة لوجود خطةٍ لفتحِ "قنصلية سعودية" في المدينة التي تضمُ مقامَ الإمام علي بن أبي طالب، ويزورها ملايين المسلمين الشيعة سنوياً، بينهم آلاف السعوديين، وذلك لتقديم الرعاية والخدمات للمواطنين أثناء قدومهم في مواسم الزيارة.



لماذا النجف؟

إضافة للمكانة الدينية للنجف، هي حاضنة علمية، يدرس فيها آلاف طلبة العلوم الشرعية، من مختلف أصقاع العالم، بينهم طلابٌ من دول الخليج العربي. وهي أيضاً تضم عدداً من الفقهاء وأساتذة "البحث الخارج" المتمكنين، أربعة منهم يعدون من الأبرز على مستوى كبار آيات الله في العالم الشيعي، ولهم تأثير على ملايين الأتباع حول العالم، يأتي في مقدمتهم المرجع الأعلى علي السيستاني.

هذا التأثير الديني والأخلاقي - وحتى السياسي غير المباشر - لمرجعية النجف وحوزتها، جعلها محل اهتمام، خصوصاً أنها تشترك في مجموعة من القيم العليا مع دعاة السلام في المنطقة، حيث تؤمن المدرسة النجفية بأهمية حفظ دماء وأموال وأرواح وأعراض الناس، وتوفير الأمن لهم، وضرورة ترسيخ قيم المساواة والعدالة، والبعد عن الظلم والنزاعات الأهلية والطائفية، وكذلك الفصل بين رجال الدين والحُكم؛ دون نسيان تأكيدها الدائم على السلم الاجتماعي واحترام القانون، واندماج المسلمين الشيعة في أوطانهم، وهي خطوط رئيسة كان يدعو لها المرجع الراحل السيد محمد سعيد الحكيم.

لذا، جاءت تعزية السفارة السعودية في بغداد، برحيل آية الله الحكيم، لتؤكد أولاً انفتاحها على جميع العراقيين بمختلف تنوعاتهم، ولتعرب عن احترامها للرموز الدينية من المذاهب المتعددة، ولتقول إنها تقف على ذات الأرضية المشتركة الداعية للحوار والتعاون وبناء دولة مدنية آمنة ومستقرة وحديثة، وإنها في سعيها هذا لا تفرق بين مذهب إسلامي وآخر، وإن المرجعيات الدينية ذات الخطاب العقلاني، هي محل احترام المملكة، وتمد معها جسور التواصل والتعاون بما يحقق مصلحة العراق والخليج.



تواصلٌ مسبق

التعزية في المرجع الحكيم، ليست أولى الخطوات السعودية التواصلية مع مكاتب مرجعيات النجف، فقد سبقتها ترتيبات في سنواتٍ مضت، وخصوصاً إبانَ موسم الحج، حيث تقوم المملكة بتوفير رعاية خاصة لكبريات بعثات المرجعيات الدينية القادمة من العراق، وفي مقدمتها بعثة آية الله السيستاني وآية الله الحكيم، بتنسيق مع الأجهزة الأمنية والإدارية المعنية، وبوجود شخصية سعودية تحظى باحترام وثقة هذه الأجهزة وأيضاً ثقة المرجعيات العراقية، تكون مكلفة بمتابعة احتياجات هذه البعثات في المدينة المنورة ومكة المكرمة، وتذليلِ أي عقبات.

بدوره، السفير السعودي في العاصمة بغداد، عبد العزيز الشمري، زار بعثات المرجعيات الدينية في المشاعر المقدسة أثناء موسم الحج، ومن بينها بعثة الراحل السيد محمد سعيد الحكيم.

جهود الرابطة

"رابطة العالم الإسلامي"، وعبر حسابها في منصة "تويتر"، عزت العراقيين برحيل المرجع محمد سعيد الحكيم، و "هي التعزية التي كان لها أثر إيجابي كبير، وتم تداولها بشكل واسع في الأوساط النجفية"، بحسب مصدرٍ عراقيٍ تحدثت معه "العربية.نت". المصدر أضاف "التعزية العلنية هذه، تعد الأولى من رابطة العالم الإسلامي في شخصية إسلامية شيعية رفيعة، وهي خطوة حسنةٌ نحو تعزيز العلاقات بين المذاهب الإسلامية المختلفة، واحترام بعضها بعضاً، ونبذ الخطابات الطائفية".

هذه التعزية، تأتي ضمن الخطاب الذي يعمل أمين عام الرابطة د.محمد العيسى على تعميمه، والداعي للحوار والتعاون وترسيخ السلم في المجتمعات، والذي كانت ذروته إبان "ملتقى المرجعيات العراقية" الذي عُقد في مكة المكرمة، أغسطس الماضي.

المصادرُ ذاتها أكدت على أن "العيسى يحظى باحترام في أوساط العلماء في النجف، وهو شخصية مرحبٌ بها، وسيكون لزيارتها للحوزة العلمية أثر كبير في ترسيخ التواصل بين القيادات الدينية المعتدلة".

هي "دبلوماسية الجنائز"، التي تسعى لأن ترسخ التعاضد والتواصل بهدف تعزيز الاعتدال، وجعل الفكر المتشدد معزولاً، وعلاج السلبيات التي أنتجتها الخطابات الانعزالية والإقصائية طيلة سنوات مضت.

المصدر: العربية.نت