أنباء "طيّبة" للصين وروسيا و... إيران

سياسة

تم النشر في 27 سبتمبر 2021

عبدالوهاب بدرخان

توجّهات الولايات المتحدة، كما عرضها الرئيس جو بايدن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم تكن مطمئِنة على رغم أنها تعِد بعالم "أكثر سلاماً وازدهاراً" و"أقل انقساماً"، وفقاً لعباراته. لا يريد الرئيس الأميركي "حرباً باردة جديدة"، ولا اللجوء الى القوة العسكرية إلا كـ "خيار أخير"، بل يسعى الى "حقبة ديبلوماسية". هذا الكلام موجّه تحديداً الى الصين من دون أن يهدّئ شكوكها، وتالياً الى روسيا التي يحاورها حالياً لاستمالتها وتحييدها عن الصين، ويبدو موجّهاً أيضاً الى إيران. فهذه الدول الثلاث صنعت "أمجادها" الحالية مستغلّة تورّط الولايات المتحدة في حربَي أفغانستان والعراق، ومستفيدةً من بدايات الانكفاء الأميركي بسبب تأثير هاتين الحربَين على نفوذها وهيبتها. ولعل هذا ما أكّده بايدن لتوّه. أما الاعتماد على الديبلوماسية فلم يعد لعبة تتحكّم بها واشنطن، كما في السابق، خصوصاً إذا كان يعوّل على الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فالنظام الدولي لم يعد "أميركياً".

في ظروف أخرى كان يمكن الانسحاب الأميركي من أفغانستان ولاحقاً من العراق وسوريا، مضافاً الى تقليص الالتزامات بالنسبة الى دول الخليج، أن يكون مؤشّراً ايجابياً، لو أنه استُبق بحلول سلمية أو سياسية تؤسس لأوضاع مؤهّلة للاستقرار. فالدول القلقة أو المضطربة تراه، على العكس، نذيراً لاستمرار للنزاعات القائمة. أما في الظروف الحالية فإن الانسحاب يترك فراغاً ويشكّل الفرصة التي انتظرتها الدول الثلاث وعملت على انضاجها، ولا يمكن اعتبارها في مصلحة حلفاء أميركا وأصدقائها أو مناسِبة للخيارات التي اتخذتها على مدى العقود السبعة السابقة. بل ان واشنطن لا تبدو مهتمّة بإشراك حلفائها التقليديين في ملء الفراغ الذي تتركه، وبعد تجربة أفغانستان ليس واضحاً ما إذا كان الحلفاء، في حلف "الناتو" أو خارجه، سيتمكّنون من الحفاظ على دور ما في العراق، مثلاً، إذ أن حكومة بغداد قد تدعوهم الى ذلك لكن إيران وأتباعها قد يرون العكس.

في أي حال، لا يُؤخذ كلام الرئيس الأميركي بحرفيّته، فهو مجرّد عرض لمبادئ عامة تخالفها التحالفات التي يرسمها لمواجهة النفوذ المتنامي للصين، بدءاً بـ "الميثاق الأطلسي الجديد" الذي وقّعه في حزيران (يونيو) الماضي مع بريطانيا التي طوّرت استراتيجية دفاعية جديدة لتعزيز حضورها الدولي، ثم التحالف الثلاثي الذي ضُمّت إليه استراليا (على حساب فرنسا)، فتحالف "كواد" الرباعي الذي يفترض أن يضم الهند واليابان (أو كوريا الجنوبية) بالإضافة الى استراليا. والمُلاحظ أقلّه في "التحالف الثلاثي" أن هناك تركيزاً على الأسلحة النووية، ما يرفع السقف المعلن للمواجهة التي لن يستطيع أي طرف التحكّم بعدم تحوّلها الى "حرب باردة" أو حتى ساخنة. ولا بدّ أن إدارة بايدن تخطّط للأدوار التي تريدها من الحلفاء الأوروبيين أو غيرهم في "الناتو"، لكن الواقعة التي أغضبت فرنسا أثارت بالضرورة توجسّاً اوروبياً ليس بالضرورة تضامناً مع باريس بل بسبب تساؤلات عن خلفيات الأهداف الأميركية.

الجديد عند اميركا - بايدن أنها انتهت من اعتبار الإرهاب "تهديداً عالمياً" يُلزمها بقيادة التصدي له، وأنها ستقوم بالردّ المناسب على "الأعمال الإرهابية ضدّنا"، لكنها ستواجه الإرهاب بكل السبل "بما فيها العمل مع شركائنا، حتى لا نضطر لنشر قوات عسكرية على نطاق واسع". هذا يطرح فرضيات عدّة، منها أن أميركا لن تكون بعد اليوم "ضالعةً" في تصنيع الإرهاب، وفقاً لاتهامات صحيحة أو ملفقة من جانب خصومها ولا سيما الإيرانيين الذين اعتبروا أن تنظيم "داعش" صُنِّع لتبرير عودة الأميركيين الى العراق والتدخّل في سوريا. ومنها أيضاً أن واشنطن تقدّم "اتفاقها" مع "طالبان" على أنه تصحيح لخطأ 1989 في أفغانستان حين أدّى انسحابها الى نشوء تنظيم "القاعدة" الذي ولد "داعش" من رحمه. وبالتالي فإن إدارة بايدن تتوقّع من إيران أن تأخذ علماً بذلك، برغم أنها تحتضن فلول "القاعدة" ولم تكن بعيدة عن تخصيب "داعش" في بؤرة ظهوره في العراق.

لكن، مَن يقنع إيران وغيرها بأن تُخرج الإرهاب من اللعبة، بعدما جرّبت كل أنواعه لمدّ نفوذها وتأكّدت من "نجاعته" في دفع اميركا الى الانسحاب كما في إخافة الغرب عموماً. فمن شأن الدول الطامحة الى ملء الفراغ الأميركي أن تذهب أبعد في استخدام "فزّاعات" الإرهاب لزعزعة الأنظمة وتفكيك الجيوش واستبدال الميليشيات بها. لا بدّ من التذكير بأن المشكلة مع هذه الدول، روسيا والصين وإيران، أنها لا تملك ولا تدّعي امتلاك "قاعدة أخلاقية" لسياساتها يمكن على الأقل أن "تُحاسَب" عليها، بل إنها تُخضع شعوبها ذاتها بالقمع والإرهاب ولا يُنتظر منها شيء آخر إزاء الشعوب الأخرى. وليس واضحاً أن الولايات المتحدة تتعامل مع واقع أن تقاطع المصالح بين الدول الثلاث شجّعها على تطوير منظومةً خاصةً بها من خلال ترابطها بـ "اتفاقات استراتيجية" طابعها اقتصادي وهدفها سياسي يصبّ خصوصاً ضد الغرب الأميركي والاوروبي. صحيح أن لكلٍّ منها اسلوبها في ممارسة نفوذها، لكن روسيا والصين اللتين أحرزتا تقدماً في منافسة أميركا على القطبية العالمية تصونان "ديبلوماسياً" القطبية الإقليمية التي تبلورها إيران خدمةً لمصالح لم تكن متاحةً لهما سابقاً.

فيما تواصل واشنطن خطوات الانسحاب من المنطقة العربية، معتبرةً أن أهميتها الاستراتيجية تضاءلت، تبدو روسيا والصين مقبلتين أكثر على تعزيز وجودهما في المنطقة، بدليل أن موسكو بادرت الى طرح "مبادرة" لأمن الخليج. لكنهما تريدان أيضاً الإفادة من النفوذ الإيراني المرشّح الذي تدعمان تخلّصه من العقوبات الأميركية. ففي الانتظار تقفان وراء تقليص طهران التزاماتها بموجب الاتفاق النووي، كونها تخوض أيضاً معركتهما غير العلنية ضد سياسة العقوبات، فإذا نجحت طهران بفرض شروطها تحرج إدارة بايدن أمام الكونغرس، وتحرجها كذلك بإفساد احدى أولويات سياستها الخارجية إذا فشلت المفاوضات الحالية في فيينا، وبالتالي تبقى توترات الأزمة النووية التي لم تثر يوماً قلق موسكو أو بكين. وفي غياب الخيارات الضاغطة لا يُستبعد أن تقدّم واشنطن تنازلات للتوصل الى هدف حرمان إيران من سلاح نووي لا تنفكّ تقترب من حيازته. والأكيد أن أي نجاح إيراني، ولو جزئيّاً، يعني لبكين وموسكو كثيراً من المصالح في سوريا والعراق ولبنان وحتى في اليمن.

(عن صفحته - فايسبوك)