ارتياب مشروع في الارتياب المشروع

سياسة

تم النشر في 29 سبتمبر 2021

عبدالوهاب بدرخان

لو بقي مقدار ضئيل من أصول ومسؤولية لدى "الدولة" في لبنان لتوجّب أن يعلن مسؤولٌ ما، وزير العدل مثلاً، أن ليس من شأن وفيق صفا أن يلتقي كبار القضاة. وليس معروفاً أصلاً لماذا وافق هؤلاء على استقباله والاستماع الى "ملاحظاته" على قضايا محالة الى القضاء، إذ ليست له أي صفة قانونية، ولماذا سُمح له بإقحام نفسه في التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، أو أي تحقيق آخر، فضلاً عن إطلاقه تهديدات للقاضي طارق البيطار وتعمّده تسريبها الى الإعلام.

ربما يميل كثيرون الى أن ثمة سذاجةً في استهجان هذه الواقعة، إذ يكفيهم أن يكون الرجل مسؤولاً استخبارياً في "حزب إيران/ حزب الله" لكي تُفتح الأبواب. ثم أن زعيمه حسن نصرالله سبق أن خصّص جانباً من أحد خطبه، شبه اليومية في هذه المرحلة، للطعن بالمحقّق والتحقيق، مستعيداً معظم المصطلحات التي استخدمها ضد التحقيق في جريمة اغتيال رفيق الحريري ورفاقه وضدّ المحكمة الدولية. بل ان نصرالله، الرافض مثل حليفه رئيس الجمهورية أي تحقيق دولي، دعا أكثر من مرّة الى كشف النتائج التي توصّل اليها التحقيق الفرنسي أو سواه بالنسبة الى المرفأ. وما كان ليطلب ذلك لو لم يكن اطّلع عليه. أي أنه وجد أخيراً مصلحته في التحقيق الدولي، وصار رافضاً الآن التحقيق اللبناني لأن ما تناهى إليه منه يقلقه، فلم يبق لديه سوى انتداب مسؤوله الاستخباري لإبلاغ مَن يلزم رسالة مباشرة بوجوب "قبع" (اقتلاع) القاضي البيطار.

عدا الأسئلة المعروفة عمّن جاء بأطنان نيترات الأمونيوم ومَن سمح بإنزالها ومَن طلب تخزينها ومَن أمّن التغطية الأمنية والسياسية لسرّيتها ومَن كان مخوّلاً الوصول الى العنبر 12 للتزوّد بحاجته منها... هناك سؤال شائع يخشاه "الحزب" ولا يريد لأي مسؤول سابق أو حالي أن يُحرج به في أي تحقيق أو أمام أي محكمة: تبلّغت تقارير عن خطورة المادة المخزّنة، فهل كان سكوتك عنها نتيجة معرفتك مباشرةً أو مداورةً أن هذه "البضاعة" تخصّ "الحزب" والنظام السوري؟ ليس مهمّاً ما سيدلي به المدّعى عليهم، حتى لو كانوا "تحت القسم" (؟)، فاللبنانيون، والبيئة الحاضنة لـ "الحزب"، وبالأخص أهالي الضحايا، يعرفون أن الجواب هو: نعم.

لذلك يجب تضليل التحقيق، تعجيزه، تمييعه، تضييعه، ودفعه الى متاهة، وصولاً الى وقفه أو دفنه. فعلى القاضي أن يبدي استعداداً للعب اللعبة التي سبقه إليها الذين يريد الادّعاء عليهم، وإلا فإن مَن سـ "يُقبع" هو القضاء نفسه، كبداية رسمية لـ "نظام" إيران وحزبها في لبنان. وعلى رغم أن مجلس الدولي لم يتأخر أمس في المطالبة بـ "إجراء تحقيق سريع ومستقل ونزيه وشامل وشفاف" في الانفجار، فإن الحكومة تنأى بنفسها عن استهداف القاضي وتحقيقه، لكنه أصبح لتوّه بداية سيئة لها في مسار "بناء الثقة" مع الداخل والخارج.

(عن صفحته - فايسبوك)