اشتباكات بيروت "ليست كمينا".. تفاصيل جديدة عن الخميس الدامي

سياسة

تم النشر في 20 أكتوبر 2021

يوما بعد الآخر، يتكشف المشهد الضبابي لما جرى بالفعل في حادثة "اشتباكات الطيونة"، التي عاشتها العاصمة اللبنانية بيروت، صباح الخميس الماضي 14 أكتوبر، التي وضعت لبنان على مشارف حرب أهلية بين مكوناته الطائفية والسياسية.

وعلى مدى الأيام الأربعة، يتكشف أمام الأجهزة الأمنية والرأي العام اللبناني تفاصيل ومعطيات جديدة تعيد التحقيقات إلى نقطة الصفر، وتخلط الروايات المتداولة لما جرى شوائب التسييس والاستغلال الحاصل من قبل الأطراف اللبنانية المتنازعة.

وتختلف الروايات المقدمة لما جرى بين الأطراف السياسية والأمنية المعنية بالحادثة، فبينما تبنى فريق "الثنائي الشيعي" ("حزب الله" و"حركة أمل") نظرية "تعرض أنصارهما لكمين مسلح" نفذته مجموعات تابعة لحزب "القوات اللبنانية"، بينهم قناصة انتشروا على الأسطح المقابلة لمواقع التجمعات، تنفي "القوات اللبنانية" هذه الاتهامات وتتهم أنصار "أمل" و"حزب الله" باقتحام أحياء آمنة في عين الرمانة واستباحة الممتلكات وتحطيم السيارات، مما استدعى رد فعل من قبل الأهالي لمواجهتهم.

"ليس كمينا"

أحدث المعطيات التي تلقاها الرأي العام اللبناني جاءت على لسان وزير الدفاع اللبناني، موريس سليم، الذي أكد في تصريحات إعلامية أن "ما حصل يوم الخميس في الطيونة ليس كمينا بل حادثة مشؤومة"، لافتا إلى أن التحقيق الجاري مبني على وقائع".



وترك سليم للتحقيق الجاري من قبل الأجهزة الأمنية تحديد ظروف حصولها، لافتا إلى أن "خريطة الوقائع يرسمها المحققون بناء على الكاميرات والشهود والمشاركين والدلائل والإثباتات".

وكشف أن "هناك 20 موقوفا يتم التحقيق معهم، والأجهزة الأمنية قامت بكل واجباتها ومديرية المخابرات اتصلت كما العادة قبل التحرك بكل القوى السياسية في المنطقة وكل الأطراف أكدت أنه لا نيّة لأن تكون للمسيرة أهداف سلبية أو أن هناك نية باعتراضها والجميع كان قد أكد أن المسيرة ستكون سلمية".

وأضاف أن "تحرك يوم الخميس واجه انحرافا مفاجئا إلى بعض الشوارع الفرعية والتي أدت إلى حصول الاشتباكات"، لافتا إلى أن "إطلاق النار قد يكون حصل من أي مكان، ولا يمكن أن أجزم ولا أنفي وجود قناصين وهذا الأمر سيتبيّن في إطار التحقيق الذي ننتظر نتائجه"، مشددا على أن التحقيق سيصل إلى نتائج وسيحدد المسؤوليات و"سنكون ملتزمين بالإعلان عن النتائج".

وكان مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي فادي عقيقي، قد كلف جهاز مخابرات الجيش اللبناني بإجراء التحقيقات الأولية لكشف تفاصيل ما جرى، وكلف جهاز أمن الدولة والأمن العام وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، بإجراء التحريات والتقصي وجمع المعلومات عما حصل، كما أمر بإجراء عملية مسح شاملة لكاميرات المراقبة الموجودة في المنطقة، لكشف هويات جميع المسلحين من الطرفين.

التحقيقات سرية.. والنتائج قريبة

ووفقا لما يؤكده أهالي المنطقة لموقع "الحرة"، فقد عمدت الأجهزة الأمنية إلى سحب كافة التسجيلات المصورة من كاميرات المراقبة في المؤسسات والمحال التجارية والمباني القريبة من موقع الحدث من أجل جمعها ومطابقتها مع الروايات المتداولة.

وعمدت الأجهزة الأمنية إلى أخذ إفادات عدد من الأهالي وشهود العيان الذين تواجدوا على مقربة من موقع الاشتباكات، ولاسيما في الحي الذي شهد انطلاق المواجهات وبداية إطلاق النار، كذلك يجري التحقيق مع حراس بعض الأبنية لتبيان حقيقة تواجد قناصين فيها.

وتتحفظ معظم الجهات والمصادر الأمنية عن الإدلاء بأي تفاصيل أو معطيات بشأن مسار التحقيقات الجارية، مؤكدين أن التحقيق يجري بسرية مطلقة بتوجيه من قيادة الجيش، حيث يحرص المعنيون به على منع التسريبات السابقة لإعلان النتائج التي بات موعدها قريبا، وذلك لما يمثله الملف من حساسية أمنية وطنية، ومنعا لأي استغلال سياسي قد يصب في خانة توتير الأجواء في البلاد.

ومن بين المعطيات الجديدة التي أعادت خلط الاتهامات السياسية والروايات الأمنية، فيديوهات انتشرت من موقع الاشتباك الأول، تظهر عنصرا من الجيش اللبناني يطلق النار بشكل مباشر على المحتجين المؤيدين لـ"الثنائي الشيعي". وهذه الفيديوهات أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي باتهامات للجيش اللبناني بكونه أول من فتح النار باتجاه المدنيين.



من جهتها، لم تشكك قيادة الجيش في صحة الفيديو المتداول، وإنما أوضحت في بيان، تعليقا على الفيديو المتداول، أن "العسكري مُطلق النار يخضع للتحقيق بإشراف القضاء المختص".

ووسط اتهامات بضعف الإجراءات الأمنية في حماية مداخل أحياء منطقة عين الرمانة من هجمات كانت متوقعة لأنصار الثنائي الشيعي، حمل كل من "حزب الله" و"حركة أمل" مسؤولية أمن التحرك الاحتجاجي للجيش اللبناني والقوى الأمنية.

وانتقد النائب عن "حزب الله" في البرلمان اللبناني، حسن فضل الله، الجيش اللبناني قائلا "لقد حصلنا على تعهدات موثقة من الجيش بأن تدابيره مُحكمة، وأنه لا يوجد أي مؤشر إلى إمكانية حصول أي مشكلة" خصوصا أن "التحرك الأساسي تجنّب بعض النقاط الحساسة، وبالتالي نحن أخذنا التزامات من الجهة الرسمية الأمنية المكلفة بالقيام بما عليها القيام به".

وتابع في تصريحات إعلامية أن "هناك أسئلة مشروعة عند الناس حيال ما حصل، وحالة الغضب شديدة، وأنه لماذا عندما نضع أمننا بعهدة القوى الأمنية الرسمية يسقط لنا ضحايا في الطريق؟".

وأضاف: "على الأجهزة الأمنية أن تلتفت أن هناك رأيا عاما اليوم تضعف ثقته بمثل هذه الإجراءات، لأن هذه الحادثة ليست الأولى وهناك جمر تحت الرماد، والمطلوب أيضا محاسبة كل من له صلة أيا كان ومن أعلى مسؤول إلى أدنى عنصر".

وكان الجيش اللبناني تعرض يوم الحادث لانتقادات عدة بعدما تراجع عن روايته الأولى للأحداث، والتي قال فيها إنه و"خلال توجه محتجين إلى منطقة العدلية تعرضوا لرشقات نارية في منطقة الطيونة- بدارو"، وعاد في بيان لاحق وصف ما جرى بأنه إلى "إشكال وتبادل لإطلاق النار، مما أدى إلى مقتل عدد من المواطنين".

تغيير في النبرة

بدوره، علق زعيم ميليشيا حزب الله، حسن نصرالله، على الفيديو المتداول لعنصر في الجيش اللبناني، مطالبا بمعرفة ما "إذا كان الجندي، الذي أطلق النار على متظاهرين مدنيين، تصرف انفراديا أو بأوامر، ويجب أن يُحاسب، ولا تسامح بذلك، وتحديدا من قيادة الجيش اللبناني"، وذلك في كلمة متلفزة له مساء الاثنين، جاءت مغايرة للتوقعات المسبقة التي بثتها الماكينة الإعلامية للمنظمة وجيوشه الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي، لناحية رفع سقف المواجهة.

ورغم أن نصرالله خصص معظم كلمته لمهاجمة حزب "القوات اللبنانية" وزعيمه سمير جعجع، واتهامه بـ"أخذ لبنان نحو حرب أهلية تنفيذا لمشاريع خارجية"، كان لافتا عدم تبنيه بوضوح للرواية الأمنية التي روج لها أنصاره وإعلامه على مدى الأيام الماضية، لاسيما لناحية الحسم بتعرضهم لكمين مسلح نفذه قناصون عن سابق تحضير، بل استمهل انتهاء التحقيقات التي تجريها القوى الأمنية، محذرا من تسييسها والتلاعب بها، داعيا إلى محاسبة المسؤولين، مشيرا في حديثه إلى المعطيات المستجدة التي أظهرتها مقاطع الفيديو المتداولة للاشتباك.



وتعليقا على الفيديو الذي أظهر أنصار "أمل" و"حزب الله" يطلقون هتافات مستفزة أثناء مرورهم قرب الحي الذي شهد اشتباكات، أقر نصرالله بأن "آخر مجموعة كانت تتوجه من الطيونة إلى قصر العدل، أُطلقت شعارات خطأ، من استفز الشباب أخطأ ولو هم استفزوا فكان هذا خطأ. وبدأ الشهداء يسقطون. والبيان الأول للجيش هو الصحيح، وبعدها صارت هناك تدخلات. فكيف ما جرى يُسمّى اشتباكا؟" لافتا إلى أن "الأجهزة الأمنية أبلغت إلينا أن الشهداء قُتِلوا برصاص حزب القوات اللبنانية".

دعوى قضائية ضد نصر الله

من جهته، يرى رئيس جهاز الاعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن "كل الرواية التي صدرت بوجود القناصين واتهام القوات اللبنانية هي اتهامات كاذبة ومضللة، وكل الوقائع تباعا بدأت تدحض كل هذه الأقاويل التي نسجها "حزب الله"، عن سابق تصور وتصميم، لصرف الأنظار عن دوره المباشر بالوصول إلى هذه المجزرة، إن كان سياسيا من خلال التحريض المتواصل سعيا في قبع القاضي بيطار، أو من خلال اللجوء إلى الشارع".

ويضيف جبور أن "كل الوقائع على الأرض أثبتت عدم وجود قناصة، وفي المقابل يتبين أن أنصار حزب الله هم من دخلوا إلى عين الرمانة عنوة وبدأوا بالتكسير وإطلاق النار وحصل ما حصل لاحقا من مواجهات بنتيجة لهذا الدخول بالسلاح الذي بدا ظاهراً في كل المقاطع المصورة المنتشرة".

وكشف جبور أن هناك معطيات ومعلومات تتحدث عن "قناص تابع لحزب الله كان متواجدا في أحد الأبنية القريبة من ساحة الاشتباك، وقد تم تهريبه من المكان بسيارة ذات زجاج داكن، وهذا يتطلب توضيحا في التحقيق الذي ننتظر صدوره عن الأجهزة الأمنية." مضيفا: "كنا على تنسيق كامل وتواصل مع الجيش انطلاقا من خشيتنا بأن هذا الفريق سيقوم بأمر ما".



ولفت جبور في حديثه لموقع "الحرة" إلى أن هذا الإشكال كان مطلوبا من قبل حزب الله "وإلا لكان نشر عناصر انضباطه ضمن التظاهرة وحرص على عدم انحراف وجهتها، وهو لديه هذه الإمكانات، لكنه تعمد أن تفلت الأمور بهذه الطريقة فبعد كل محاولاته بالسياسة وبالأمن وبالقضاء لإسقاط القاضي بيطار، قرر اللجوء إلى الشارع، وكان افتعال هذه الأحداث لإسقاط القاضي من بوابة عين الرمانة".

وكشف جبور في ختام حديثه أن "أهالي الشارع في عين الرمانة يتحضرون من جهتهم لرفع دعوى قضائية ضد حسن نصرالله وقيادتي "حركة أمل" و"حزب الله" وكل من يظهره التحقيق فاعلات ومتدخلا ومحرضا على هذه الأحداث، وذلك بعدما لحق بممتلكاتهم وبيوتهم وسياراتهم أضرار هائلة بسبب الأحداث.

المصدر: حسين طليس - الحرة