أمتعة معدة وتأهب للفرار.. لبنانيون بانتظار "ساعة الصفر"

سياسة

تم النشر في 22 أكتوبر 2021

لم يكن الرسام والمهندس طوني المعلوف يعلم أن الرسم الذي صممه تعبيراً عما يعانيه اللبنانيون مع تداعيات الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه البلاد، ونشره في الرابع من شهر أكتوبر، سيكون صالحا للمرحلة المقبلة على لبنان برمتها.

فمع الأحداث الأمنية التي شهدتها منطقة الطيونة، عين الرمانة في 14 أكتوبر، عاد الرسم ليلقى رواجاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما بات يعبر عن الحالة الآنية نفسها التي عاشها اللبنانيون مع تلك الأحداث، والتي هددت البلاد بالانهيار الأمني هذه المرة.

يعرض المعلوف في رسمه لبنانياً يحمل حقائبه وامتعته أمام مدخل منزله، ويطرح السؤال الذي بات يحير الجميع في البلاد، "ببقى أو بروح؟"، (أبقى أم أرحل؟). حالة استعادها عدد كبير من اللبنانيين، لاسيما سكان المنطقة التي شهدت الاشتباكات في بيروت ومحيطها، وتكررت في كل منطقة مرشحة لأن تشهد أحداثاً أمنية بما تمثله من خطوط تماس بين مناطق نفوذ الطوائف وأحزابها في لبنان.



وشهد لبنان اشتباكات واحداثا أمنية بين أنصار كل من حركة أمل وحزب الله من جهة، ومسلحين في منطقة مسيحية، على خلفية التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت والانقسام السياسي الحاد بين الفرقاء اللبنانيين والأحزاب، مما أعطى للصراع طابعاً طائفياً، جاء ليزيد من حدة تداعيات الأزمات اقتصادية التي تتمثل في انهيار العملة الوطنية والقيمة الشرائية لها، مقابل ارتفاع حاد في أسعار السلع والمحروقات، لتبقى البلاد في شلل شبه تام، زاد من معدلات الفقر والبطالة التي لا تزال ترتفع منذ العام 2019.

الشابة اللبنانية سابين حداد، 23 عاماً، تعيش في منطقة عين الرمانة، على مقربة من طريق صيدا القديم الذي كان يمثل خط تماس مع منطقة الشياح إبان الحرب الأهلية، أعادت الأحداث الماضية إحياء ذكرياته، مع إطلاق النار الكثيف والاشتباكات العنيفة التي شهدتها المنطقة.

شعرت سابين أن أمراً خطيراً سيقع، "كانت المدينة متوترة والأجواء مشحونة بشكل واضح وكنا خائفين قبل ليلة مما سيجرى"، وفق ما عبرت لموقع "الحرة".

وتضيف "استيقظت يوم الاشتباكات على اتصالات أصدقاء تنصحني بمغادرة البيت في عين الرمانة بسبب الأحداث، لم أكن أعلم ما يجري، لم استمع بعد إلى الأخبار ولا اطلعت على مواقع التواصل، وما أن غادرت فراشي حتى بدأت أسمع أصوات الرصاص وانفجارات القذائف، أول ما فعلته أنني نهضت لأرتدي ملابسي استعدادا للهرب في حال تطورت الاشتباكات أكثر، لم أكن أفكر بأي مكان أهرب إليه، كنت فقط أريد الرحيل عن المنطقة كلها بأسرع وقت، حتى لو بقيت بسيارتي بعيدا عن الاشتباكات، كان ذلك سيكون كافياً".

جاهزون للهرب

بقيت سابين في منزلها بعدما انحصرت الاشتباكات في شارع واحد، "في هذا الوقت كان أول ما بدر إلى ذهني لأفعله، هو توضيب الحقائب، لأن ما جرى لن يكون نهاية الأمر وقد يكون بداية لموجة عنف واشتباكات في البلاد، فقدت الشعور بالأمان كلياً، حتى في منزلي الذي يفترض أن يحمل لي كل الأمان، لم أعد أشعر بالأمان، وليس الأمر بالبسيط أبداً على الصعيد النفسي."

وجدت سابين أن انسب ما يمكن القيام به استعدادا لأي طارئ هو توضيب الحقائب بالمقتنيات المهمة والقيّمة، والأوراق الثبوتية واللازمة والحاجيات الشخصية إضافة إلى الحد الأدنى من الملابس الضرورية، "كي نكون على جاهزية تامة للرحيل في أي لحظة. لم أكن أفكر إلى أين قد نرحل، كان يمكن أن نرحل عن المنطقة، وكان يمكن أن نرحل عن البلاد كلها، وعلى هذا الأساس لملمت حاجياتي وأمتعتي في الحقائب في تلك اللحظة".



الأمر نفسه تكرر مع أسعد، 27 عاماً، الذي يعيش في منطقة الشياح، المقابلة لعين الرمانة، إذ كان يستعد للرحيل عن لبنان بعد أسبوع من التاريخ الذي شهد أعمال العنف في بيروت: "خفت أن يغلق طريق المطار كما حصل في أحداث 7 أيار، لم أكن قد جمعت أغراضي بعد، اسرعت خلال اندلاع المواجهات وعلى صوت الرصاص القريب جدا من منزلي، إلى لملمة أمتعتي وأغراضي، أعددت حقائبي وتواصلت مع أحد أصدقائي الذي يسكن قريبا جدا من المطار".

شعر أسعد بالرعب من فكرة إغلاق المطار، أو استحالة الوصول إليه بفعل الاشتباكات والتطورات: "تذكرت فورا مشاهد من سيناريو أفغانستان، انتقلت بأمتعتي وحقائبي إلى منزل صديقي القريب من المطار، وبقيت على مدى يومين متأهباً لأي تطور قد يحمل مخاطر تهدد خطة رحيلي عن البلاد التي انتظرتها طويلاً، كنت مستعداً لو تطورت الأمور أن انتقل فورا إلى المطار وأبقى هناك للرحيل مع أي رحلة مغادرة، شعور بالرعب لا يمكن وصفه، وكأنني غريب عن البلاد التي عشت فيها 26 عاماً".



الشعور الأكثر رعباً تعبر عنه ناديا، 42 عاماً، بينما تروي لموقع الحرة تجربة "ديجا فو" عاشتها مع ابنتها، كانت شديدة القسوة عليها، والمحفز الأول لخطة الهرب التي تعمل عليها حتى اليوم.

ناديا التي تسكن في عين الرمانة أيضاً، هرعت مع اندلاع الاشتباكات إلى غرفة ابنتها ليان، "أمسكتها من يدها وتوجهت بها نحو الممر في المنزل البعيد عن الأبواب والنوافذ، خشية من رصاصة أو قذيفة طائشة".

أجيال تتناقل الصدمة

خلال احتضان ناديا لابنتها، ومحاولة تهدئتها، استعادت ذكريات من مرحلة طفولتها التي عاشتها زمن الحرب الأهلية، "كنت احتضن ابنتي وأمسح على رأسها لطمأنتها وأحاول لفت انتباهها عن أصوات الرصاص، فجأة انفصلت عن الواقع وتذكرت أنني كنت في المنزل نفسه قبل 35 عاماً، وفي الممر نفسه، تحتضنني والدتي وتبعدني عن النوافذ نفسها، حتى الأطراف المتصارعة لا تزال هي نفسها، كان تكراراً بنسخة طبق الأصل إلى حد جعلني انهار بالبكاء، وقررت في اللحظة نفسها أن لا أسمح بتكرار الأمر مع ابنتي، فكان قراري توضيب حقائبي فوراً للرحيل عن المنطقة بداية، وعن البلاد قريباً جداً".

زينب بيطار، 37 عاماً، أم لولدين تعيش بعيداً عن بيروت، في منطقة إقليم الخروب، لكنها تفاجأت بالأحداث المأساوية تجري أسفل منزل أهلها في منطقة الشياح.

تؤكد زينب أنها كانت قد أعدت أمتعتها لزيارة عائلتها صباح اليوم الذي شهد الاشتباكات، "لولا أنني استيقظت متأخرة قليلاً عن موعد انطلاقي إلى بيروت، لكنت في قلب المنطقة مع أولادي وسط الخطر، لكنني أجلت الزيارة بمجرد أن سمعنا عن الإشكالات التي سبقت الاشتباكات المسلحة".

هذه المرة الرابعة التي تنجو فيها زينب وعائلتها من مآسي لبنان. تروي لموقع "الحرة" عن نجاتها مصادفة من صدمة انفجار مرفأ بيروت، حيث كانت تنوي التوجه برفقة الأولاد إلى مكان قريب جدا من المرفأ، لولا تأخير بسيط فصل بينها وبين موعد الانفجار.

لكن ذلك لم يمنعها من أن تعيش صدمة ثانية خلال اشتباكات خلدة، حيث كانت تسلك وعائلتها طريق الجنوب حين اندلعت الاشتباكات أمامها مباشرةً، "شاهدت إطلاق النار أمامي، هربت سيارة أمنية من المكان رجوعاً إلى الخلف واصطدمت بنا، وعلقنا داخل بقعة الاشتباكات أنا وزوجي وأولادي متقوقعين على أنفسنا داخل السيارة تحت وابل الرصاص، إلى أن استطعنا الانسحاب من المكان، كانت صدمة نفسية رافقتني طيلة الفترة الماضية، وبدأت آثارها تظهر على شكل نوبات هلع خلال أوقات عادية".

لم تحضر زينب حقائب السفر، فأوراق الهجرة التي تنتظرها من كندا لم تصل بعد، "لكنني لا أخفي أنني حملت كل أغراضي المهمة من أوراق ثبوتية ومقتنيات ثمينة وأموال، استعدادا للهرب السريع مع أي حالة طارئة قد تصيب البلاد، والأمر نفسه فعله أهلي في بيروت".

وتضيف: "أنا اليوم على استعداد أن أحمل هذه الشنطة فقط، وأن أحرق خلفي كل شيء من أمتعة وأغراض وممتلكات، وأن أقطع كل ما يربطني بهذه البلاد، مقابل أن يعيش أولادي في بلد محترم يقدرهم كبشر، لن أتركهم للزعران (البلطجية) في هذا البلد، أريد لهم حياة هادئة تكون اهتماماتهم مقتصرة على المكان الذي سيمضون فيه عطلهم السنوية والصيفية وما سيدرسونه وما هواياتهم لا أن يقلقوا على حياتهم ومصيرهم وأمنهم ومستقبلهم".

من ناحيتها، تقول سابين: "الرحيل بات أمرا محسوما بالنسبة لي، قد يحصل في أي لحظة، فالهرب داخل لبنان لا يجدي نفعاً وهو تمديد للمعاناة التي لن تنتهي إلا بالرحيل، لم أفرغ حقائبي ولن أفعل قريباً، عمري 23 عاماً وما زلت صغيرة، لدي حياة طويلة أعيشها، وأخطط لمستقبل مهني ولتأسيس عائلة، لكنني لن أنجب أولادا في هذه البلاد، ولن أكرر ما فعله أهلنا، لن يعيش أولادي الصدمات نفسها، أبي عاش طفولته وشبابه في هذه المنطقة، أصيب خلال الحرب ولم يكن مقاتلاً، ولم يرحل، أما أنا فلن ارتكب الخطأ نفسه".

يحملون لبنانهم

المعلوف لم يجهز حقيبته بعد، لأسباب عدة، من بينها أنه يسكن في منطقة أكثر أمنا من غيرها، ولكنه لا ينكر أنه سبق وصنّف أغراضه، واختار منها ما يريد أخذه معه في حال قرر الرحيل المفاجئ أو السريع، "ففي لبنان لا يمكنك اليوم أن تضمن أي منطقة ولا الوضع الأمني العام، وبالتالي قد تضطر للرحيل أو الهرب في أي لحظة".

ويضيف: "فكرة حزم الحقائب بحد ذاتها تمثل حالة نفسية عامة، وتعكس عدم الاستقرار المكاني والمعنوي الذي يعيشه اللبنانيون، كثيرون يتواصلون معي يومياً ليعبروا كم أن حال اللبناني الظاهرة في رسوماتي تمثل حالتهم، وتعبر عن الواقع الذي يعيشونه".

رسم المعلوف في أمتعة اللبناني الراحل أشخاصاً يمثلون أفراد العائلة، منزلاً لبنانياً ومغلفا يحمل اسم "فيروز"، يقول "وضعت في الأمتعة الأمور التي نراها جميلة في لبنان، والتي نريدها فقط من لبنان ولسنا بحاجة لغيرها، هذه الأمتعة إن حملتها معي إلى أي مكان أصبح في بلدي، ولن يبقى لي شيء بعدها في هذه البلاد، أصلا لم يعد في البلد إلا هذه الأمور، عائلتي ومنزلي والموسيقى التي أسمعها، هذا هو لبناني، وكل يحمل لبنانه في حقيبته".

"لكن المشكلة أن هذه الأمتعة تمثل ما نتمنى أن نأخذه معنا ولا نستطيع، وهذا سبب ترددنا الدائم بالرحيل، فالوضع لا يحتمل هنا ولكن هذه الأمور ومعها صداقات وأماكن نحبها هي كل ما تبقى لنا وهي سبب بقائنا، وهذا ما تمثله الأيدي التي تخرج من الأرض وتتمسك باللبناني".

زينب هي الأخرى رتبت في بالها كل ما يمكن لها أن تأخذه، وما ستتركه في لبنان عند الرحيل، "أجلس لأوقات طويلة أمام خزائني أنظر إلى ملابسي وأغراضي وانتقي منها، استخدم كل ما كنت أحضرته إلى المنزل ولم استعمله بعد، كي لا أصاب بحرقة عليه، في منزلي حائط يحتاج للطلي، أنظر إليه يوميا وأقول: لمَ تكبد العناء والتكاليف ونحن راحلون؟ إذا تعطل شيء ما لم نعد نصلحه، لم نعد نعيش حياة طبيعية أو روتينا ثابتا واستقرارا صحيا. ولا بديل عن الحياة هنا حتى الآن".

لم تعد زينب قادرة على تحمل فترة الانتظار، "بدأت التقديم على منح دراسية في الخارج قد تكون سبيلاً أسرع للرحيل، ولكن في الوقت نفسه اتوقف للحظات وأسأل نفسي، هل انا راحلة فعلاً؟ الأمور ما عادت تقتصر على المقتنيات والأمتعة، القصة في الذكريات والمراحل العمرية والصداقات، في الذاكرة الجماعية للمجتمع، كل هذه الأمور تعود لك، لكنك تحتار بما ستفعله بها عند الرحيل".

ساعة الصفر

"ينتابني شعور غريب أنني أمام خيارين، إما ان نذهب أو ستذهب البلاد بنا، فنحن لا نعيش حياةً، بل حالة نجاة مستمرة من البلاد وأخطارها. أعيش حالة من القلق إلى حد الشلل. توتر وتشنج يفقدانني كل طاقتي على العمل والإنتاج والتفكير، نحن على سفينة تغرق، ننتظر ساعة صفر معينة لنقفز"، وفق تعبير زينب.

الشعور نفسه ينتاب المعلوف، "كلنا نعيش بانتظار أن يحصل شيء ما، وكل من اتحدث إليه يعبر عن الإحساس نفسه بأن هناك شيء ما سيحصل دون أن يحدد او يعرف أحد ماهية هذا الطارئ، لا أحد يعرف ما سيحمله الغد، وبهذه الطريقة نعجز عن التفكير بالغد والتخطيط للمستقبل، الأحداث المقبلة هي التي ستجيب عن سؤال إذا ما كنا سنرحل أم نبقى، لأننا نعيش بحالة تشبه سفينة بلا محرك، أو شراع تتحرك فقط بفعل الأمواج، موجة تأخذنا وموجة تعيدنا. ويمكن في لحظة أن نكون أضرارا جانبية لما قد تشهده البلاد".

المصدر: حسين طليس - الحرة