"العاصمة الثالثة" بانتظار الحسم.. تأثير جبهة مأرب يتجاوز اليمن

سياسة

تم النشر في 5 نوفمبر 2021

يتقدم مقاتلو جماعة الحوثي نحو مأرب، عازمين على السيطرة الكاملة على إحدى المناطق الرئيسية المنتجة للطاقة في اليمن، بينما تقول القوات الحكومية إنها لن تستسلم. وبين هذا وذاك، يجد سكان المحافظة أنفسهم في مرحلة صعبة، وسط ضربات جوية ومعارك شرسة تسببت في خسائر فادحة للطرفين، وأودت بحياة مدنيين.

وقد تغيّر هذه المكاسب على الأرض الوضع في مأرب، بعدما أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، تقدمهم باتجاه المدينة، عقب السيطرة على مديريات الجوبة وجبل مراد والعبدية وحريب.

يقول الناشط السياسي اليمني، حامد البخيتي، لموقع "الحرة": "بالتأكيد اقتربت معركة مأرب من الحسم لصالح صنعاء. هذا التقدم يحقق كسر آثار الحصار الاقتصادي الذي تفرضه دول العدوان على الشعب اليمني، مما يجعل حسمها ضرورة وطنية"، على حد قوله.

وفي هذا السياق، يقول العميد الركن المتقاعد عمرو العامري لموقع "الحرة": "سقوط مأرب سيكون نقطة تحول في الحرب لأنها مصدر النفط والغاز والمقاومة".

وفي حال سقطت مأرب بيد الحوثيين، يقول الكاتب والباحث السياسي اليمني، عبد الناصر المودع، لموقع "الحرة": "ستحسم الجولة الحالية من الصراع لصالحهم، وسيدخل اليمن مرحلة جديدة من الحرب في مناطق أخرى كالساحل الغربي والجنوب".

ومنذ 2014، يشهد اليمن نزاعا بين الحكومة التي يساندها تحالف عسكري بقيادة السعودية، والمتمردين الحوثيين المدعومين من إيران والذين يسيطرون على مناطق واسعة في شمال البلاد وغربها وكذلك على العاصمة صنعاء، في صراع وصف بالإقليمي بين الرياض وطهران.

وتدخل التحالف في اليمن في 2015 بعد أن أطاحت قوات الحوثي الحكومة المعترف بها دوليا من العاصمة صنعاء.

ويفرض التحالف حصارا بحريا في اليمن من خلال سفن حربية تدقق في السفن التجارية التي يُسمح لها بالفعل، بموجب آلية تابعة للأمم المتحدة، بالتوجه إلى الموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون، بما فيها الحُديدة على البحر الأحمر.

ويصف الحوثيون حصار الموانئ بأنه عقبة في طريق محادثات وقف إطلاق النار.

في المقابل تريد الرياض أن يتزامن أي رفع للحصار في اليمن مع بدء وقف لإطلاق النار، خوفا على أمنها. ويقول التحالف إن الحصار ضروري لمنع تهريب الأسلحة للحوثيين، ويتهم الجماعة باستخدام إيرادات الموانئ لتمويل مجهودها الحربي وهي اتهامات ينفيها الحوثيون.

وبناء على المعطيات السابقة، تعطلت جهود إنهاء الحرب التي أودت بحياة عشرات الآلاف ودفعت اليمن إلى حافة المجاعة.

ويرى البخيتي في "تحرير مأرب والسيطرة عليها" حلا للأزمة السياسية وتعثر المفاوضات. ورغم ذلك قال إن استيلاء الحوثيين على المدينة سيمكنهم من "السيطرة على المدن الخاضعة للتحالف، مصحوبة بزخم شعبي جامع".

ويقول أستاذ علم الاجتماع السياسي، عبد الباقي شمسان، لموقع "الحرة" إن سيطرة قوات الحوثي على مأرب سيمكنها من الاتجاه نحو شبوة، الغنية بالنفط في الجنوب، وكذلك حضرموت.

وبحسب شمسان، فإن الحوثيين يحاولون اختزال الأزمة اليمنية في محافظة مأرب، موضحا بقوله: "أصبح الحديث يتمحور حول مأرب بينما يتجاهل العالم أصل المشكلة المتعلقة بانقلاب الحوثي على سلطة منتخبة".

وفي حال السيطرة على مأرب، سيصبح الحوثيون مجاورين للمملكة، وسيحصلون على مصادر تمويل بسيطرتهم على الثروات النفطية والموارد.

"مأرب" العامل المشترك

وتأتي هذه التطورات العسكرية المتسارعة في مأرب بينما وصل المبعوث الأميركي إلى اليمن تيم ليندركينغ إلى عدن، حيث المقر المؤقت للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، للقاء رئيس مجلس الوزراء معين عبد الملك، وأطراف أخرى ضمن جولته للشرق الأوسط.

والأربعاء الماضي، قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس، في مؤتمر صحفي: "الحوثيون هم سبب معاناة الشعب اليمني، وأي تعاطف معهم غير مبرر"، ردا على سؤال عن تصريحات وزير لبناني عن الحوثيين.

وكان وزير الإعلام جورج قرداحي قال، خلال مقابلة جرى تسجيلها يوم الخامس من أغسطس الماضي، إن اليمن تعرض للعدوان وإن الحوثيين المتحالفين مع إيران يدافعون عن أنفسهم.

وفي مقابلة مع قناة تلفزيونية سورية، ربط نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الخلاف الدبلوماسي بين لبنان ودول الخليج بتقدم الحوثيين في اليمن "والخسارة المدوية" التي قال إن السعودية تتكبدها هناك. وأضاف أن السعودية تريد صرف الانتباه عن طريق الضغط على لبنان.

بينما يربط العامري وشمسان بين تصعيد الحوثيين العسكري في آخر معاقل السلطة اليمنية في الشمال وبين استئناف المحادثات النووية بين طهران والقوى العالمية في 29 نوفمبر.

ويعتقد العامري أن محاولات "الميليشيات (الحوثيين) مرتبطة بمحادثات الملف النووي الإيراني وملفات أخرى معقدة في المنطقة".

كما يشير شمسان إلى المحادثات بين السعودية وإيران، والتي تهدف إلى خفض التوتر لكنها لم تحرز تقدما يذكر، قائلا: "جميع هذه المفاوضات والمحادثات مرتبطة بما يحدث في مأرب".

وقد صعّد الحوثيون، في فبراير الماضي، عملياتهم العسكرية للسيطرة على مأرب. ويتقدم الحوثيون تجاه المدينة من جهة الجنوب، بينما يحاصرونها أيضا من جهتي الشمال والشرق، بحسب مسؤولين في القوات الحكومية، نقلت عنهم فرانس برس.

ويقول شمسان إن قوات الحوثي تتقدم على الأرض، الأمر الذي سيحسن موقفها التفاوضي وكذلك موقف إيران، لكنه يستبعد سيطرتهم على مأرب.

"بعيدة عن الحسم"

لكن قائد عسكري في القوات الحكومية قال لرويترز: "خيارات الحوثيين محدودة لأنهم لو اتجهوا عبر الصحراء نحو منطقة حقول الغاز والنفط شرق مأرب، فإنهم سيكونون فريسة سهلة لمقاتلات التحالف".

وتقع مأرب شرقي العاصمة صنعاء التي سيطر عليها الحوثيون المتحالفون مع إيران مع معظم شمال اليمن في 2014 عندما أطاحوا بالحكومة المدعومة من السعودية، مما دفع التحالف العسكري، بقيادة السعودية، إلى التدخل، منذ أكثر من ست سنوات.

ويعتقد المودع أن معركة مأرب لا تزال بعيدة عن الحسم حتى الآن، قائلا لموقع "الحرة": "سقوط المدن المهمة، مثل مأرب وغيرها من مناطق إنتاج النفط والغاز لا تزال عصية على الحوثيين".

وأرجع المودع السبب الرئيس في ذلك إلى الجغرافيا والتضاريس، قائلا: "هذه المواقع تقع في مناطق صحراوية مفتوحة لا يجيد الحوثيون القتال فيها، وجميع الأماكن التي سيطر عليها الحوثيين في محيط مدينة مأرب جبلية".

وقد تقدم الحوثيون في معظم مناطق مأرب، وهي المحافظة الوحيدة المنتجة للغاز في اليمن والتي تضم أحد أكبر حقول النفط في البلاد في منطقة الوادي التي لا تزال مع مدينة مأرب تحت سيطرة الحكومة بالكامل.

إلا أن المودع يشدد على أنهم "لم يتمكنوا من التقدم في المناطق المفتوحة وتعرضوا لخسائر كبيرة حين حاولوا ذلك. ففي الصحراء يتمكن المدافعون عنها، وكذلك الطيران، من منع الحوثيين من السيطرة".

ويؤكد أن الأطراف المدافعة عن مأرب والسعودية لن تسلمها بسهولة، مضيفا "هناك إرادة حتى الآن للدفاع عنها".

وتأتي مكاسب الحوثيين على الأرض في مأرب رغم الضربات الجوية للتحالف، والمعارك الشرسة التي تسببت في خسائر فادحة للطرفين.

وقد أعلن التحالف، الخميس، مقتل 115 متمردا بغارات في منطقتين قرب مدينة مأرب، بعد "تنفيذ 25 عملية استهداف لآليات" وتدمير 14 آلية عسكرية، في صرواح غرب مدينة مأرب والجوف شمال مأرب.

وفي هذا السياق يقول العامري: "قوات الشرعية، المدعومة جوا من التحالف، تقول إن مأرب لن تسقط، وما تخسره اليوم قد تستعيده غدا وفق تكتيكات الحرب والتي قد تملي الانسحاب من منطقة ما لأسباب تكتيكية، ومن ثم استعادتها وقد حدث ذلك كثيرا".

ويرى العميد السعودي المتقاعد أن معركة مأرب تحولت إلى "ستالينغراد اليمن"، في إشارة إلى معركة ستالينغراد بالحرب العالمية الثانية التي فقد فيها كثير من الجنود السوفييت أرواحهم من أجل المدينة التي تحمل اسم الزعيم السوفيتي ستالين.

وأضاف "تستلهم معركة مأرب تجربة ستالينغراد في الصمود وتحمل الألم، وستكون هي نقطة التحول في الحرب كما كانت (ستالينغراد) نقطة التحول في المعركة الألمانية الروسية أثناء الحرب العالمية الثانية".

ويشير العامري إلى التقارير التي أفادت بقصف الحوثيين مدارس وجوامع ومنازل شيوخ القبائل بالصواريخ الباليستية والطائرات المفخخة، "مستغلين صمت وتراخي المجتمع الدولي الذي يكتفي فقط بالإدانة"، على حد قوله.

تحديات مأرب

ويحاول التحالف منع المتمردين من الوصول إلى مدينة مأرب، آخر معاقل الحكومة المعترف بها دوليا في شمال البلد الغارق في الحرب. ومنذ أكثر من ثلاثة أسابيع، يعلن التحالف ضربات في محيط مأرب بشكل شبه يومي.

ورغم الدعم العسكري للقوات الحكومية بأسلحة نوعية متطورة من التحالف، يقول شمسان إن الأسلحة التي تحملها القوات الحكومية في مدينة مأرب "خفيفة"، فيما التدخل السعودي ينصب على الضربات الجوية "التي لا تحدث فارقا ميدانيا طالما أن القوات الحكومية لا تتبعها بأسلحة متوسطة وثقيلة"، على حد تعبيره.

وبحسب ما نقلته فرانس برس عن مسؤول عسكري في القوات الحكومية، فإن الحوثيين أطلقوا، الأربعاء الماضي، صاروخا بالستيا على مدينة مأرب استهدف أبراجا لشبكات الهاتف، مما أدى الى انقطاع خدمة الاتصالات في العديد من المناطق.

واعتبر المسؤول ان العملية تهدف إلى "قطع التواصل بين مكونات الجيش والقبائل" التي تقاتل إلى جانب القوات الموالية للحكومة، مضيفا أنه "إذا انقطعت الاتصالات فهذا سيعجل من انهيار الجبهات المحيطة بمدينة مأرب".

ورغم الانقسام بين القوات الحكومية الذي يسيطر على أدائها في الميدان، يتحدث شمسان عما وصفها بـ"الشراسة" في الدفاع عن المدينة، مضيفا "مأرب تعد العاصمة الثالثة غير المعلنة بعد صنعاء وعدن".

وتابع قائلا: "إذا استولى الحوثيون عليها، ستضعف السلطة الشرعية".

وقد تصاعد التوتر على مدى سنوات داخل عدن نفسها بين الحكومة وجماعات انفصالية جنوبية.

ويرجح العامري تأثير هذا التوتر على الأرض حاليا، قائلا: "ما يحدث في نظري هو انقسام ولاءات قوات الشرعية، وعدم وضوح عقيدتها العسكرية (...) لا أعرف لماذا لم تفتح جبهات أخرى لتخفيف الضغط على مأرب".

وأضاف "معركة ومحنة مأرب طالت كثيرا، وسط مأساة ثلاثة ملايين نازح يرفض الحوثيون كل النداءات لإنقاذهم ومساعدتهم".

وتعليقا على ذلك يقول المختص في الدراسات الاستراتيجية، اللواء عبد الله غانم القحطاني، لموقع "الحرة" إن هذه التحديات تمثل التعقيدات الداخلية اليمنية، مضيفا "ما يحدث في اليمن هو بسبب اليمنيين أنفسهم، سواء فيما يتعلق بالشرعية ومكوناتها، الشمال ومركباته، الجنوب وقضيته".

وأضاف "هذا الواقع المرير في اليمن تدركه السعودية وكذلك التحالف الذي لم يخفق، بل أوقف التمدد الإيراني".

المصدر: نهى محمود - الحرة