إيران وكسر العقوبات بالتفاوض أو بالحرب

سياسة

تم النشر في 8 نوفمبر 2021

عبدالوهاب بدرخان

يجري التعامل مع فرضية أن فشل المفاوضات النووية سيفتح المنطقة على "الخيارات الأخرى"، التي تُختصر بخيار واحد: الحرب، أو لنقل: الحروب. أين وكيف؟ هذا ما تحدّده الولايات المتحدة وإسرائيل. مباشرة ضد إيران أو بالوكالة، أم الاثنان معاً؟ هذا ما تحدّده الوقائع أو إيران التي سبق أن أنطقت وكلاءها، وبالأخص حسن نصرالله زعيم حزبها في لبنان، بأن التعرّض لأراضي إيران سيُشعل المنطقة. لكن السؤال الأول والأهمّ يبقى: هل هذه الحرب مجرّد تهديد افتراضي غير مكلف يجري اعتماده لتخصيب مفاوضات فيينا، أم أنها أصبحت خياراً أخيراً، قسرياً، لا بدّ منه؟

في الحالين قالت طهران وتقول إنها مرحِّبة بالمواجهة، وكان تقديرها ولا يزال أن نفوذها "الامبراطوري" لن يتكرّس إلا بـ "حرب كبرى" تدّعي مسبقاً الثقة بنتائجها. ألم تحيي الذكرى الـ 42 لاحتلال السفارة الأميركية في طهران بمؤتمر شعاره "أفول اميركا" مشيدةً بـ "هزائمها (اميركا) في أفغانستان وسوريا ولبنان"؟ ألم تتنبّأ بقرب "زوال اسرائيل"؟.. في المقابل، لم تكن الحرب بالنسبة الى الولايات المتحدة سوى خيار أخير لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي، وإن كانت خياراً أولاً ودائماً لإسرائيل (بشرط المشاركة الأميركية). ولا في أي مرحلة من أزمة البرنامج النووي الإيراني كانت الدولتان قريبتين جديّاً من إطلاق المواجهة، أو متأكدتين من تحقيق النتائج المفترضة، لذا مالت واشنطن الى التفاوض لتأخير المشروع النووي الى أبعد مدى، بموازاة عرقلته (مع إسرائيل) بعمليات استخبارية وسيبرانية.

في مراحل سابقة كانت السيناريوات تشير الى حرب أو حروب "بالوكالة" متعددة الجبهة على خريطة النفوذ الإيراني، وهو نمطٌ تفضّله إيران باستخدام ميليشياتها من دون تعريض شعبها وأراضيها. المرّة الوحيدة التي صارت فيها المواجهة المباشرة مع إيران بين الاحتمالات الواردة كانت أوائل العام الماضي بعد اغتيال قاسم سليماني، ولتفاديها جرى ترتيب ردٍّ/ ثأرٍ إيراني محدّد ومتفّق عليه بقصف صاروخي على قاعدة عين الأسد في العراق، وترافق مع مقتل 176 شخصاً - خطأً؟ - بقصف إيراني على طائرة مدنية اوكرانية. اللافت في مختلف السيناريوات الغربية أنها تدرس الحروب بالوكالة من زاوية أثرها الأثر المحتمل في اضعاف إيران، ولا يستوقفها أو يستوقف إيران نفسها الأثر على الدول الأخرى المعنية، كالعراق ولبنان أو حتى سوريا واليمن، وكأنها أصبحت مجرد "ساحات حرب"، متاحة و"مشروعة"، لا شعوب فيها أو لا مستقبل لهذه الشعوب.

لا تزال الإدارة الأميركية الحالية تحبّذ التفاوض، متطلّعةً الى تعديل الاتفاق النووي الحالي ليصبح أكثر تلبية للهدف (منع إيران من الحصول على "القنبلة")، وآملةً في أن يؤدي الى "تطبيعٍ" ما مع طهران وتغييرٍ ما في سلوكها الإقليمي، عسكرياً وسياسياً. هذا ما اعتقدته إدارة باراك أوباما في العام 2015 وما تستلهمه إدارة جو بايدن، لكن الأولى إما خُدعت أو أخطأت في تقديراتها، وتريد الثانية تجنّب الأخطاء. كان انتفاء المصلحة (الأميركية) زوّد إدارة دونالد ترامب بالأسباب الموجبة (مع معارضة الجمهوريين والتحريض الإسرائيلي) للضغط على إيران كي تتفاوض على تعديلٍ للاتفاق يشمل برنامجها الصاروخي وسياساتها الإقليمية، أو للانسحاب من الاتفاق وتجديد فرض العقوبات عليها لإرغامها على العودة الى التفاوض. رفضت طهران التعديل وردّت على الانسحاب بخفض التزاماتها، مستخدمةً صمت روسيا والصين للضغط بريطانيا وفرنسا وألمانيا كي تتمرّد على العقوبات الأميركية. وعلى رغم أنها متمسّكة بالاتفاق كنصٍّ قانونيٍ دوليٍ يحرّرها من العقوبات إلا أن انتهاكاتها أضعفت هذا الاتفاق بمقدار ما فعلت عقوبات ترامب.

وعندما قبلت طهران العودة الى التفاوض في فيينا كانت شروطها معلنة: رفع كل العقوبات مع ضمانات بعدم فرضها مجدّداً، العودة الى اتفاق 2015 من دون تعديل، لا تفاوض على البرنامج الصاروخي أو السياسات الإقليمية. وأرفقت ذلك بدفع الاستفزازات لأميركا وحلفائها الى حدّها الأقصى، سواء انطلاقاً من اليمن (ضد السعودية) أو في العراق (ضد كردستان) وشمال شرق سوريا (ضد القوات الاميركية)، فيما سُجّلت عمليات عدة منسوبة الى إسرائيل ضد المنشآت النووية وغيرها بالإضافة الى هجمات بحرية متبادلة ضد السفن وضربات ضد مواقع إيرانية في سوريا. وفي التفاوض اصطدم الاميركيون بالتشدّد الإيراني حتى قبل خروج "المعتدلين" من الحكم، ومع أن إدارة بايدن عرضت لائحة تنازلاتها لتحفيز التفاوض إلا أنها لا تستطيع بأي حال إلغاء كامل العقوبات مقابل التزام إيراني كامل بقيود الاتفاق النووي غير المعدّل. وبعد توقّفٍ لخمسة شهور يترقّب مفاوضو فيينا عودة إيران إليها أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) ولا يتوقّعون مبدئياً أن تغيّر شروطها بعدما أصبح الحكم في أيدي المتشدّدين.

التنازلات المتبادلة على أساس "خطوة مقابل خطوة" هي السبيل الوحيد لنجاح المفاوضات، أما إصرار إيران على منهجيّتها وشروطها فهو مؤشر لفشلٍ قد يظهر سريعاً أو يستغرق بعض الوقت. هذا ما تحدّده لوائح التنازلات من الجانبين وكيفية التثبّت من التزامها: فالخطوات العاجلة المطلوبة من إيران وقف تخصيب اليورانيوم بدرجة عالية (60 في المئة) وبتّ مصير الكمية المخزّنة منه، وعودة رقابة مفتشي وكالة الطاقة على المنشآت للتأكد من خفض التخصيب الى النسبة المحدّدة في الاتفاق (3.67 في المئة)... ولكي توافق طهران على ذلك لا بدّ أن تتعرّف الى العقوبات التي تقرّر واشنطن رفعها وما إذا كانت تلبي أولوياتها، كأن تُحرّر تجارتها النفطية من أي قيود، وأن يُفتح النظام المصرفي الدولي لعقودها، وأخيراً أشار الوزير حسين أمير عبداللهيان الى أن الجانب الأميركي يصرّ على إبقاء العقوبات على صفقات إيران العسكرية برغم أن الحظر الوارد في القرار الدولي 2231 (الاتفاق النووي) انتهى اعتباراً من 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2020.

هذه عيّنة مبسّطة لتعقيدات التفاوض وليس من السهل تجاوزها. ففي واشنطن يقلق جمهوريو الكونغرس إدارة بايدن ولا يرون في "إحياء" الاتفاق النووي انجازاً كافياً لرفع "كل" العقوبات بل يطالبون بتشديده ليشمل البرنامج الصاروخي والسياسات الإيرانية. وفي طهران ليس وارداً في قاموس المرشد أن يعاود تقييد البرنامج النووي من دون إنهاء كلّي لنهج العقوبات. وللتذكير فإن نهج العقوبات هذا هو سلاح التفاوض الذي استنبطته اميركا بديلاً من الحرب، لكن إيران تريد أن تكسره إما بالتفاوض أو بالحرب.

(عن صفحته - فايسبوك)