"الجميع غاضبون".. إردوغان يتمسك بسياساته رغم تدهور اقتصاد تركيا

إقتصاد

تم النشر في 4 ديسمبر 2021

شهدت الطفرة الاقتصادية التي حققتها تركيا خلال العقدين الماضيين تراجعا، متأثرة بأزمة العملة المحلية التي تقلصت مقابل الدولار الأميركي.

وفقدت الليرة التركية نحو 45 بالمئة من قيمتها منذ بداية العام الحالي مع زيادة التضخم بنسبة وصلت لـ 21 بالمئة، مما ساهم فعليا بتأثر الطبقة المتوسطة في تركيا بعد ارتفاع أسعار السلع.

وأرجع اقتصاديون تحدثت معهم صحيفة "وول ستريت جورنال" أسباب الأزمة الاقتصادية الحالية في تركيا إلى سياسات الرئيس، رجب طيب إردوغان.

وبعد ما يقرب من عقدين من الزمن في السلطة، طرد إردوغان كل مسؤول اقتصادي وقف في طريق آرائه غير التقليدية، الأمر الذي أسهم في وصول البلاد لهذه الأزمة التي تجعل الأتراك العاديين يواجهون صعوبة في العثور على السلع المستوردة، بما في ذلك الأدوية.

وتولى إردوغان بنفسه سيطرة واسعة على الاقتصاد في ظل عدم وجود أي شخص يعارض سياساته بعد نجاحه في الضغط على البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة على الرغم من التضخم السريع.

وترفع البنوك المركزية أسعار الفائدة لتشجيع الادخار وتثبيط الاقتراض وتهدئة التضخم. لكن إردوغان دعا إلى خفض أسعار الفائدة وألقى باللوم في ارتفاع التكاليف على التدخلات الخارجية.

ويصر إردوغان على أن التقلبات في الليرة ستكون مؤقتة وهي جزء من استراتيجية طويلة المدى لتشجيع الصادرات وتحويل الاقتصاد التركي إلى اقتصاد يركز على الصناعة الإنتاجية.

وقال إردوغان في الأول من ديسمبر إن "أسعار العملات ترتفع اليوم وتنخفض غدا وما يسمى بالتضخم يرتفع اليوم وينخفض غدا. الإنتاج والتوظيف دائم".

ولم يرد مكتب الرئيس التركي على طلب صحيفة "وول ستريت جورنال" للتعليق.

"لا يفهم الاقتصاد"

وتعد تركيا أحد اقتصادات مجموعة العشرين والرائدة بين الأسواق الناشئة، وهي حليف في منظمة حلف شمال الأطلسي.

وتشير الصحيفة إلى أن هذه الأزمة تهدد طموحات أنقرة في أن تصبح وسيطا قويا في المنطقة، حيث عملت كثقل موازن لروسيا بينما تتدخل في الصراعات في ليبيا وسوريا والعراق.

وزاد انهيار الليرة التركية من مخاوف أن تتحول الازمة إلى عدم استقرار مالي أوسع، حيث يقول الاقتصاديون إنها أخطر اختبار واجهته المؤسسات المالية التركية منذ عقود.

وكان وزير المالية التركي، لطفي إلفان، استقال من منصبه مؤخرا على خلفية الأزمة الاقتصادية، حيث كان يعتبره المحللون على أنه آخر صوت يعارض سياسات إردوغان في مجلس الوزاراء.

وجاء في المرسوم الرئاسي الذي صدر منتصف ليل الأربعاء- الخميس: "تم تعيين نور الدين نوباتي في وزارة الخزانة والمالية وفقا للمادتين 104 و106 من دستور جمهورية تركيا، بعد طلب لطفي إلفان الإعفاء من منصبه، وتم قبول طلبه".

وقال رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو، وهو الحليف السابق لإردوغان: "إنه لا يفهم الاقتصاد، والناس من حوله لا يفهمون الاقتصاد. إنه على كوكب آخر".

من جانبه، قال سورييا سردنغتي، الذي شغل منصب محافظ البنك المركزي التركي في الفترة من 2001 إلى 2006، "كان الأمر سهلا للغاية"، مردفا أن إردوغان "كان يدعو إلى خفض أسعار الفائدة. وأنا لا أقول شيئا، وبعد ذلك لن نخفض سعر الفائدة".

لطالما كانت المؤسسات التركية تقاوم أفكار إردوغان غير التقليدية لسنوات. ففي عام 2018، عندما انهارت العملة التركية وسط أزمة في العلاقات مع إدارة ترامب، تجاهل البنك المركزي دعوات الرئيس بتخفيض أسعار الفائدة.

وقت سابق من العام الحالي، قاوم محافظ البنك المركزي التركي، ناسي أغبال، ضغوط الحكومة ورفع أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم. ولكن في مارس تعرض أغبال للإقالة بقرار إردوغان الذي استبدله بمسؤول في حزب العدالة والتنمية.

وهذه هي المرة الثالثة خلال عامين التي يقيل فيها إردوغان محافظ البنك المركزي. ومع ذلك، قاوم البنك المركزي تخفيض أسعار الفائدة لأشهر بعد إقالة أغبال، لكن المقاومة لم تستمر بعد أن بدأ البنك في تخفيضها بالفعل خلال سبتمبر.

وفي أكتوبر، أقال إردوغان عضوين من لجنة السياسة النقدية القوية بالبنك المركزي، مما أطاح بآخر بقايا المعارضين الذين وقفوا في طريق سياساته، حيث تبع ذلك خفض أكبر لسعر الفائدة في أكتوبر.

وأدى التضخم المرتفع والانخفاض القياسي لسعر الليرة مقابل الدولار الأميركي إلى استياء في المجتمع التركي وتحديدا لدى الطبقة المتوسطة التي تشكل العمود الفقري الداعم لحزب العدالة والتنمية برئاسة إردوغان.

"دعونا نتذوق طعما آخر"

وبعد سنوات نجا فيها من انقلاب عسكري وقاد تركيا خلال فترة حروب وأزمات متعددة في الشرق الأوسط، يخاطر إردوغان الآن باندلاع ثورة بين قاعدته السياسية.

وأثار انهيار العملة احتجاجات أواخر نوفمبر في المدن التركية الكبرى، حيث هتفت حشود من المتظاهرين تطالب إردوغان بالاستقالة.

واصطفت شرطة مكافحة الشغب في شوارع إسطنبول. واتهم اثنان من كبار الشخصيات المعارضة، بما في ذلك أحمد داود أوغلو، الرئيس التركي بالخيانة.

واحتجزت الشرطة أكثر من 60 شخصا خلال الاحتجاجات في العديد من أحياء إسطنبول، وفقا لجمعية محامين محلية.

وقالت مريم أتالاي، وهي عاملة في مطعم صغير بإسطنبول تبلغ من العمر 58 عاما، "اعتدنا على أكل اللحوم كل يوم. الآن مرة واحدة في الأسبوع".

وتابعت: "يذهب صوتنا دائما لحزب العدالة والتنمية. الآن دعونا نتذوق طعم شخص آخر".

وأدى انهيار العملة إلى تفاقم قوة الأتراك الشرائية التي تتقلص تدريجيا بالفعل، حيث تقنن بعض محلات السوبر ماركت السكر والدقيق، في وقت تصطف فيه السيارات في محطات الوقود قبل ارتفاع أسعار المحروقات.

في استطلاع أجرته شركة "ميترو بول" التركية الرائدة لاستطلاعات الرأي في أكتوبر، قال أكثر من 80 بالمئة من الأتراك إن الحكومة تتعامل مع الاقتصاد بشكل سيئ.

بدوره، قال سليمان جيراي، 45 عاما، الذي يعمل بمقهى في حي قاسم باشا بإسطنبول، إنه دعم إردوغان منذ أن كان عمدة مدينة إسطنبول، حيث وفر خدمات بلدية إلى منطقتهم التي تسكنها الطبقة العاملة.

وأشار إلى أنه توقف في منح مصروف لأطفاله الثلاثة، كما توقف عن أكل اللحوم بسبب ارتفاع الأسعار، لافتا إلى ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية، بما في ذلك كيلو الشاي الذي أصبح بسعر 190 ليرة بدلا من 120.

وأضاف: "لا يمكننا فعل أي شيء بعد الآن. لم تعد لدينا حياة اجتماعية. الجميع هنا غاضبون الآن".

بداخل القصر الرئاسي، لم يتأثر الرئيس أو مستشاريه بالأزمة، وفقا لأشخاص مطلعين على محادثاتهم.

ومع انخفاض الليرة في 23 نوفمبر، في نفس اليوم الذي تحول فيه الإحباط إلى احتجاجات في الشوارع، التقى إردوغان بفريقه الاقتصادي.

وقال مسؤول تركي كان حاضرا للاجتماع، "لم يكن هناك توترا ولا تحذير. قلنا للرئيس نفس الشيء الذي نقوله لكم. لا يوجد سبب للقلق. تركيا لا تمر بأزمة عملة".

إلى ذلك، قال تيميل كرامولا أوغلو، وهو زعيم حزب إسلامي تركي معارض، إنه أثار مسألة الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها الأتراك من الطبقة الوسطى خلال اجتماع مع الرئيس قبل أحدث خفض لسعر الفائدة.

وقال كرامولا أوغلو: "إنه (إردوغان) يصر على أن الأمور الاقتصادية في تركيا ليست بالسوء الذي نعتقده. قلت إن البطالة مشكلة في تركيا. وهو لا يعتقد ذلك. قلت إن موظفي الخدمة المدنية والعمال ذوي الياقات الزرقاء غير قادرين على تلبية احتياجاتهم. وهو لا يعتقد ذلك أيضا".

المصدر: الحرة