لبنان.. أرقام مخيفة لعمليات السرقة وأنواعها

الأخبار

تم النشر في 18 ديسمبر 2021

عملية سطو مسلح على بنك بيبلوس في لبنان نفذها ملثمان قبل أيام: أطلقا النار على الواجهة الزجاجية للمصرف، وتحت التهديد بالقتل اصطحبا موظفا لارشادهما على الخزنة الأساسية، من دون أن ينجحا في فتحها. تلك واحدة من عمليات سرقة استفحلت في الآونة الأخيرة في بلد يعاني من أزمات كثيرة.

بحسب إحصاء للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي تم تسجيل 4804 جريمة سرقة موصوفة حتى أكتوبر، أي بزيادة 133,88 عن السنة الماضية، أما صافي السيارات المسروقة فوصل عددها إلى 1096 بزيادة 40,15 عن العام الماضي، إضافة إلى 58 سيارة مسلوبة و346 عملية نشل و512 عملية سلب (دون سلب السيارات)، هذا عدا الحوادث التي لم يتم التبليغ عنها.

ويشهد لبنان أنواعا جديدة من السرقات صدمت اللبنانيين. فالأهداف هذه المرة لا تخطر على بال أحد، كأغطية الصرف الصحي والأسلاك الكهربائية وكل ما هو مصنوع من حديد. إذ اقتلعت فواصل الكورنيش البحري في مناطق مختلفة، وخلعت أبواب الجبانات وقصّت أسوار الحدائق. وإضافة إلى سرقة الدراجات النارية والسيارات، ركّز بعض السارقين على عجلات المركبات وبطارياتها، فضلا عن اقتحام البيوت وسرقة ما خف وزنه وغلا ثمنه، وغيرها الكثير.



يمر لبنان بوضع اقتصادي صعب منذ صيف 2019، فاقمه انفجار مرفأ بيروت المروّع في الرابع من أغسطس 2020، وارتفع سعر صرف الدولار إلى حدود خيالية، ومعه ارتفعت أسعار السلع والخدمات، والأدوية وفاتورة اشتراك المولدات، وبينما يعجز الفقراء عن شراء الحبوب، دخلت اللحوم والدجاج في خانة الترف بطبيعة الحال.

نقطة تحوّل في عالم السرقة

"كلما ازداد الوضع الاقتصادي سوءا، زادت الخشية من ارتفاع نسبة السرقات"، بحسب ما قاله قائد فوج حرس بيروت العقيد الركن علي صبرا لموقع "الحرة"، و"يعتبر انفجار مرفأ بيروت، يوما مشؤوما على المدينة وأهلها، حيث أدى الدمار الكبير الذي خلفه الانفجار إلى تضرر عدد كبير جدا من المنازل والمحال التجارية المحيطة ببقعة عصف الانفجار، وأصبحت دون أبواب أو نوافذ، الأمر الذي أدى إلى نقطة تحول في عالم السرقة".

وأضاف صبرا "لفتت تجهيزات ومحتويات الشقق والمحال التي تطايرت بفعل الانفجار من أسلاك كهربائية وحديد وألمينيوم وخزانات المياه البلاستيك وغيرها من تلك المواد أنظار اللصوص، لاسيما وأن ثمنها مرتفع، لتصبح أرزاق الناس فريسة لهم".

من جانبه يرفض المستشار بالتنمية ومكافحة الفقر، أديب نعمه الربط بين الفقر وارتفاع السرقات، قائلا لموقع "الحرة" "لا علاقة سببية ومباشرة بينهما، فلدى الفقير شعور أنه مستضعف، إذ حتى المدفوع بالحاجة يجب أن يشعر بأنه قوي ويمكنه الخروج عن القانون كونه محميا، سواء بأصدقائه، عصابة، عشيرة أو حزب، وإلا لن يقدم على السرقة".

وبالنسبة لنعمه "الوضع الاقتصادي والمعيشي المتدهور يجعل الناس في حالة هشاشة، ويدفعهم للتصرف بطريقة مختلفة كالانتحار مثلا أو الهجرة عبر البحر، إذ ليس بالضرورة أن يتحولوا إلى لصوص بل ما يدفعهم إلى ذلك عامل القوة وحالة التفلت الشاملة نتيجة غياب دولة تنظم المجتمع وتديره بشكل صحيح وكذلك غياب سلطة تلتزم بالقانون وتحاول تطبيقه".

واعتبرت أستاذة علم النفس والاجتماع في الجامعة اللبنانية، الدكتورة منى فياض، أن "من يقدم على السرقة فئتان، إما أشخاص اعتادوا الأمر سابقا واستغلوا الظروف الراهنة التي يمر بها لبنان، أو أولئك الذين يعيشون على هامش المجتمع ممن لديهم القابلية الموضوعية لهذا الفعل بسبب هشاشة ظروفهم وتكوينهم"، مستبعدة أن يقدم مواطن شريف على السرقة.

وقالت لموقع "الحرة" "قد يستغل المواطن الشريف عنفا حصل في الشارع كما كنا نشهد خلال الحرب الأهلية، فعندما كان يُخلع باب محل كانت تتوجه الناس لأخذ محتوياته من دون أن تقدم هي على خطوة فتحه أو كسره".

كما أن من يقدم على السرقة بحسب فياض "هم فئات محمية يعلمون إن تم توقيفهم سيعاد إطلاق سراحهم، وهذا قد يشجع محتاجين أو من لديهم أوضاع خاصة في هذه البيئة على السير في ذات الطريق، كما يشجع بيئات أخرى يمكن أن تكون محمية" وفي ظل الأوضاع الحالية تتوقع فياض "ارتفاع عدد الذين سيعانون من هشاشة اجتماعية".



تفلت لا حدود له

القوى الأمنية لم تسلم، هي الأخرى، من عمليات السرقة، إذ فقد الرقيب أول في قوى الأمن الداخلي "علي ح" دراجته النارية في منطقة الأشرفية أثناء ركنه إياها في ملعب لكرة القدم.

يقول علي لموقع "الحرة" إنه كان يلعب مع أصدقائه مباراة حين لاحظ قدوم شاب غريب، وقال "لم أتوقع لوهلة أنه لص يراقب المكان كي ينفذ جريمته،" ومع ذلك لم يتمكن من استرجاع دراجته النارية أو حتى التبليغ عن سرقتها خوفا من عقاب سيطاله كونها غير مسجلة في الدوائر الرسمية.

وقبل شهر ضجت مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان بخبر سرقة سيارة الشاب جميل عيتاني الذي قال لموقع "الحرة": "طلب مني شخص إيصاله إلى منزله بعدما تبادلت وإياه أطراف الحديث على كورنيش الروشة، وما إن صعد إلى المركبة حتى هددني بسكين، أجبرني على القيادة إلى منطقة الناعمة ليطلب بعدها مني الترجل من السيارة التي لم تعثر عليها القوى الأمنية حتى اللحظة".

حتى الأحذية لم يوفرها السارقون، ففي الأمس سُرق ناطور مبنى يدعى أبو خالد، وكما قال لموقع "الحرة" "على الرغم من أن زوجتي وأولادي لم يغادروا الغرفة، إلا أنه للأسف لم يشعروا بالسارق حين أقدم على أخذ كرتونة مخصصة لأحذية أولادي الثلاثة الموضوعة إلى جانب الباب"، مضيفاً "ليس لدي المال لشراء بديل لهم، فكيف لمحتاج أن يسرق فقيراً"؟

بعض عمليات السرقة انتهت بجريمة قتل. ففي شهر أيلول الماضي عثر على المواطن "ر. ق." جثّة داخل منزله في بلدة ميفدون وهو مكبّل اليدين والقدمين بواسطة سلك كهربائي ورباط بلاستيكي، وتمكنت القوى الأمنية من توقيف المجرمين اللذين اعترفا بما نُسب إليهما لجهة تنفيذهما جريمة القتل بدافع السرقة، وأنهما قاما بتكبيل المغدور وخنقه بواسطة ملابسه، ومن ثم سرقة ما توفر في منزله.

وفي زحلة استدرج المواطن "ج. ح." من قبل مجرمين دسوا له السم في الشراب، بعدها خنقوه بواسطة سلك كهربائي، وسرقا منه مبلغ 12 ألف ليرة لبنانية، لم يكن يوجد بحوزته سواها، ثم وضعوه في داخل کیس وتوجهوا به، على متن سيارته، إلى محلة سهل قصرنبا، حيث رموا الجثّة داخل قناة للصرف الصحي.

لمدينة طرابلس نصيبها الكبير من عمليات السرقة والنشل، "غالبية من يقدمون على ذلك هم من متعاطي المخدرات" بحسب رئيس بلديتها، رياض يمق، الذي قال لموقع "الحرة" "أنا أصر على أن الفقير لا يسرق"، وأضاف "لا يفرّق اللصوص بين حديقة وجبانة وجامع وكنيسة. وكبلدية طالتنا السرقات، حتى اضطررنا إلى قص أسوار الحدائق وتخبئتها في المرآب لتجنب سرقتها".

أوقفت شرطة بلدية طرابلس عددا من السارقين وسلمتهم إلى القوى الأمنية لكن كما قال يمق "يتم إطلاق سراحهم بعد أيام، إما بسبب اكتظاظ السجون أو كورونا أو غيره"، مشددا على ضرورة معالجة أسباب المشكلة، وعلى رأسها عودة الكهرباء والتي تحوّل طرابلس بحسب تعبيره إلى مدينة أشباح خلال فترة الليل.



وقال نعمه "هناك إحصاءات تشير إلى عدد الجرائم لكنها غير كافية في ظل وضعنا لنستطيع فهم وشرح الظاهرة بعمقها ومسبباتها، إذ لا يمكن الاستناد فقط على الإحصائيين وشركات الإحصاء، فلا بد من تفاصيل صادرة عن جهات رسمية تتناول مكان وزمان السرقات وفيما إذا كانت هناك أمكانية لبيع المسروقات في السوق بشكل عادي أو من خلال شبكات".

ولا يقتصر الأمر على ذلك، كما قال نعمه، بل لا بد من "معرفة معلومات عن السارقين، أعمارهم، مناطقهم وظروفهم الاجتماعية وإلا لا يمكن الحديث سوى عن استنتاجات عامة"، مضيفا "حتى بعد توفر الإحصاءات لا بد من أخصائيين اجتماعيين ونفسيين لتحليل البيانات واستخلاص ما يمكن اعتباره تقييماً موضوعيا".

من جانبه رأى العقيد الركن صبرا أن "هناك فرقا بين اللص "الهاوي" الذي يسرق أشياء بسيطة وتعتبر مكافحته سهلة، وبين اللّصوص المنظمين والذي يتطلب توقيفهم تدخل أجهزة أمنية"، مشيرا إلى أنه "يوميا نعمل على زيادة إجراءاتنا لحفظ الأمن بالتنسيق مع القوى الأمنية، وقد تمكنا من توقيف عدد كبير من السارقين وأصحاب السوابق بالجرم المشهود ".

الحل الوحيد

بعد ارتفاع معدل السرقات في العاصمة اللبنانية، رفع صبرا كما قال "تقريرا إلى محافظ مدينة بيروت القاضي مروان عبود يتضمن خطة ميدانية تقوم على تسيير دوريات لفوج الحرس لمؤازرة الجيش والقوى الأمنية لسد أماكن العجز جراء الكم الهائل من المهام الملقاة على عاتق القوى الأمنية، وبالفعل يتم تسيير أربع دوريات بشكل يومي في كل أنحاء العاصمة، وتنفيذ نقاط مراقبة ثابتة ومتحركة في مختلف مناطق بيروت".

لن يقتصر الأمر على السرقة إذا استمر الوضع على ما هو عليه، بحسب فياض "بل سيترافق ذلك مع العنف بشكل فوضوي، فالوضع لا يحتمل وهناك مسؤولون يتفاخرون بهذا المشهد في لبنان لكي لا يتركوا للمواطنين أملا بتراجع من يعطلون الدولة".

يوما بعد يوم تتجه الأمور نحو الأسوأ والحل الوحيد كما يرى نعمه "يكمن في قيام الدولة بدورها، كونها الجهاز الذي يلزم الناس باحترام القانون وهو الوحيد الذي لديه صلاحية استخدام القوة لذلك".

المصدر: الحرة