غوتيريس وعجائب "لبنان الإيراني"

سياسة

تم النشر في 22 ديسمبر 2021

عبدالوهاب بدرخان

بعد وقت قصير من قول الأمين العام للأمم المتحدة، في بيروت، إن الزعماء السياسيين اللبنانيين "ليس من حقّهم أن ينقسموا ويصيبوا البلاد بالشلل"، كان رئيس الحكومة يخرج غاضباً، على غير العادة، من لقاء مع رئيس مجلس النواب، إذ لم يجد في ما سمعه من مضيفه زوايا يمكن تدويرها. لم يكن أنطونيو غوتيريس معنياً بـ "المقايضة" التي يطبخها "الثنائي الشيعي" مع "التيار العوني"، فهو يزور لبنان تحت عنوان "المساعدة" ولديه مبادرات دولية تحتاج الى دور تنسيقي أممي، لكنه يستنتج كسواه من الزوّار الأجانب أن كلّ مَن له علاقة بالسلطة لا يريد هذه المساعدة طالما أنها موجّهة الى الشعب اللبناني. لكن "حزب إيران/ حزب الله" و"حركة أمل" سيرحبان به إذا كانت لديه أفكار تمكّنهما من "قبع" قاضي التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، كذلك يرحّب به "التيار العوني" إذا كانت لديه خلطة سحرية أو معجزة ما للحؤول دون تقزيم تكتّل "لبنان القوي" في الانتخابات المقبلة.

التزم غوتيريس، بحكم منصبه ووظيفته، لقاء الرؤساء الثلاثة كونهم رموز "الدولة" العضو في الأمم المتحدة، وإذ بحث عن الحكومة التي يمكن التعامل معها فقد وجد أنها "معطّلة" ولم تسجّل إنجازاً واحداً مع بلوغها اليوم الـ 100 من عمرها. كان التقى في غلاسكو رئيسها نجيب ميقاتي الذي ألحّ عليه بوجوب زيارة لبنان، علّ ذلك ينعش حكومته ويدفع بعجلاتها. وما سمعه الأمين العام من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب لا علاقة له بالأسباب الحقيقية لتعطيل الحكومة، والأكيد أنهما لم يعرضا عليه الشذوذات "التشريعية" و"القضائية" في "المقايضة" التي ينتهكان بها الدستور والقوانين وأعراف كلّ عقل سليم. لا بدّ أن غوتيريش خرج من هذه اللقاءات متيقناً مما يعرفه مسبقاً: هؤلاء مجرّد واجهة، وعبثاً البحث معهم في أي ملف، فالسلطة والقرار عند "حزب إيران/ حزب الله"، وهذا لا صفة رسمية له. حتى إسرائيل تتعاطى معها الأمم المتحدة بصفتها سلطة احتلال. عليه أن يلتفت، إذاً، الى المفاوضات النووية في فيينا.

وعلى سيرة الانتخابات التي قال غوتيريس إنه تلقّى "ضمانات" بأنها ستُجرى السنة المقبلة وفقاً لأحكام الدستور (أي دستور؟) وفي موعدها (أي موعد؟). الأرجح أنه أراد تسجيل تلك "الضمانات" مع علمه بأنها لا تعني شيئاً على الإطلاق، فـ "أحكام الدستور" لم تمنع الشغور الرئاسي لعامين ونصف العام، كما لم تمنع الرئيس بعدئذٍ من إخضاع ولايته لإرادة حليفه/ "حزب إيران"، ولطموحات صهره/ وريثه، ولسعي الرئيس نفسه الى مصادرة صلاحيات الحكومة حتى أن تشكيل الحكومات الأربع استغرق وحده 27 شهراً، أي نحو نصف ولايته، فيما استُهلك النصف الآخر في تعطيل أي إجراءات (إصلاحات "سيدر" وغيرها) كان يمكن أن تجنّب لبنان أزمته الحالية. ولا شك أن الشهور المتبقّية ستُهدر في احباط أي "آليات" أممية يعرضها غوتيريس لتمويل الجيش والمؤسسات الأمنية تجنّباً للفوضى ولسيطرة كاملة لـ "حزب إيران"، أو لمجرد تقديم المساعدات الإنسانية المباشرة الى اللبنانيين تخفيفاً لمعاناتهم، فـ "الحزب" وحلفاؤه يرون في هذه الآليات مشروعاً خارجياً لمحاصرتهم وإضعاف سيطرتهم على البلد.

(عن صفحته - فايسبوك)