العراق ولبنان ومقاومة الاحتلال الإيراني

سياسة

تم النشر في 30 ديسمبر 2021

عبدالوهاب بدرخان

استطاعت ميليشيات إيران في العراق أن تؤخّر إعلان نتائج الانتخابات بسبب خسارة معظم مرشّحيها، فاستخدمت الطعون والتوتير الأمني ومسيّرات مفخخة لاغتيال رئيس الوزراء. وفي كل هذه المحاولات راكمت الخسائر، مضافةً الى "توبيخ" إيراني كما قيل، لكنها رضخت أخيراً لمصادقة المحكمة الاتحادية على النتائج. كان في إمكانها أن تستمرّ في حملتها معركتها، إلا أن طهران لم تجد مصلحة في تحدّي القضاء. من شأن "حزب إيران/ حزب الله" أن يتعلّم شيئاً من هذه الواقعة، وهو الذي يواصل معركته على القضاء في لبنان. يمكن "الحزب" أن يتعلّم أيضاً من تَمَوقع "التيار الصدري"، الذي كان نسخةً عنه، في خط بلورة "المصلحة الوطنية أولاً" و"تعزيز مكانة الدولة" في العراق، بما يشمل "تقديم الخدمات الى المواطنين". وإذا تعذّر على "الحزب" الأخذ بوطنية مقتدى الصدر، فليسترشد بوطنية موسى الصدر بدلاً من دفنها.

أجريت الانتخابات العراقية، قبل سنة من موعدها، استجابةً لـ "انتفاضة تشرين 2019" التي انطلقت واستمرّت داخل البيئة الشيعية، رفضاً لفساد الحكم الذي تهيمن عليه ميليشيات عراقية موالية لإيران أولاً، ولزعمائها تالياً، وتنتزع من ميزانيات الدولة تمويلاً لتسلّطها ولمناهضة الدولة والجيش والأمن الوطنيين. لم تُرِد الميليشيات تلك الانتخابات أصلاً، وحصدت النتائج التي كانت تخشاها، على رغم كل التشبيح المسبق وضآلة عدد الناخبين المستقلّين، ولو ألغيت الانتخابات ليُعاد اجرائها كما طلبت لكانت تأكّدت من الرفض الشعبي العارم لها. ذاك أن رفعها السلاح ضد الدولة ومؤسساتها، وتعيّشها على الفساد والسيطرة على المعابر الحدودية، وتجاهلها مصالح العراقيين، جعلتها نسخة مطابقة لجماعات الإرهاب ووكيلة للاحتلال الإيراني. وبذلك تكون الانتخابات حملت مؤشّراً أولياً لـ "مقاومة" هذا الاحتلال، وهو ما أدركته طهران وتعمل لتداركه بما لديها من فائض قوة في العراق.

هنا أيضاً لـ "حزب إيران" في لبنان، وللبنانيين كافة، ما يستوحونه من العراق حيث مارست الميليشيات قمعاً دموياً وحشياً ضد الانتفاضة الشبابية، وتلقّت ردّاً - ولو رمزيّاً - من صناديق الاقتراع. لم تستطع حكومة بغداد دائماً أن تحمي المحتجّين الشيعة، المعبّرين عن أوجاع المكوّنات كافةً، إلا أن حكومة مصطفى الكاظمي حاولت ملاقاتهم في مطالبهم وحققت بعض النجاح، بل ان محافظتها على الدولة والقوات المسلّحة، وعدم انزلاقها الى اقتتال داخلي، وتصدّيها لاحتمال الانهيار الاقتصادي والمالي، وانفتاحها عربياً ودولياً خلافاً لرغبة طهران، شكّلت نمطاً لمقاومة الاحتلال الإيراني يمكن العراق أن يبني عليه، ويمكن لبنان أن يستوحيه لكن الحلقة المفقودة فيه هي الدولة، إذ يواصل "حزب إيران" تهميشها مع علمه أنه لا يستطيع أن يكون بديلاً منها.

يدرك العراقيون، شيعةً وسنةً وأكراداً، أن الخلاص من الاحتلال الإيراني ليس بالأمر السهل، خصوصاً لأنه يخترق جميع المكوّنات، لكن المهم أن لا تكون الدولة احدى وسائله أو غطاءً له. ثمّة تمايز حالياً بينها وبينه من دون أي مظاهر صدام. أما في لبنان فأصبحت الدولة ومؤسساتها وشخوص الحكم تحت رحمة هذا الاحتلال، الذي يستثمر في بؤس اللبنانيين ليمنع أي تغيير تحمله الانتخابات، إذا سمح بإجرائها.

(عن صفحته - فايسبوك)