سوريا في 11 عاما.. كارثة مستمرة ترنو إلى "الفرصة الجديدة"

سياسة

تم النشر في 16 مارس 2022

يحيي السوريون، المناهضون للنظام السوري ورئيسه بشار الأسد، في يوم 15 من مارس من كل عام ذكرى الثورة التي أطلقت ضده في بدايات عام 2011، وينظمون المظاهرات في داخل الحدود وخارجها، ويستذكرون تفاصيل البدايات وتاريخهم "الذي كتب بالدم" عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وضمن تسجيلات مصورة.

وتغيّرت سوريا كثيرا بين عامي 2011 و 2022، ولم يبق فيها أي شيء على حاله، سياسيا وعسكريا وإنسانيا واقتصاديا.

وبينما طغت لغة السلاح و"الحل السياسي التائه"، تحول المشهد شيئا فشيئا إلى حالة من "الشلل الكامل" في عموم المحافظات، يراها مراقبون أنها ستكون "طويلة وبعيدة عن المدى المنظور"، فيما يتخوفون من آثار الكارثة التي تشهدها البلاد، وهي "الأكبر خلال القرن الحادي والعشرين"، وفق توصيف الأمم المتحدة.

وما يزيد من حجم الكارثة، الانسداد التام أمام أي انفراجة سياسية، في حالة تترافق مع انقسام جغرافيا البلاد إلى 4 مناطق نفوذ، وغياب أي "تحركات جدية" من جانب المجتمع الدولي للتوصل إلى "حل ما".

وهذا "الحل" يؤكد معارضون بأنه يجب أن يرتكز على المطالب الأولى التي نادى بها الكثيرون، بالحصول على الحرية والديمقراطية و"إسقاط النظام الاستبدادي"، وتطبيق المحاسبة والعدالة والإفراج عن المعتقلين في سجون النظام السوري والكشف عن مصيرهم.

وتتردد الكثير من الأسئلة مع حلول ذكرى الثورة في كل عام، ومن أبرزها: ما الذي تحتاجه سوريا اليوم؟ وهل من أي حلول للخروج من الحالة السائدة؟ إضافة إلى سؤال أهم: هل بقيت ثورة بالفعل؟

"4 سلطات أمر واقع"

عسكريا، وبالنظر إلى سوريا في عام 2022، فقد باتت تحكمها 4 سلطات أمر واقع: النظام السوري، فصائل "الجيش الوطني السوري" في شمال سوريا، "هيئة تحرير الشام" في شمال غربي البلاد، و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في الشمال والشمال الشرقي.

وهذه الخريطة المرسومة على الأرض أسست لها سنوات طويلة من القتل والقصف والتشريد، وكان للنظام السوري وقواته وقوات حلفائه الروس والإيرانيين النصيب الأكبر منها، بحسب ما تشير إليه إحصائيات "المرصد السوري لحقوق الإنسان".

ولا يعرف بالتحديد حتى يومنا هذا عما إذا كانت حدود هذه المناطق ستبقى على حالها أم ستتغير، لاسيما مع غياب أي تفاهمات أو قواسم مشتركة بين الدول الإقليمية والعالمية الفاعلة في الملف السوري.

سياسيا، لم يختلف الأمر كثيرا أيضا عما سبق، ومع حلول الذكرى 11 للثورة السورية، وبينما تستمر التصريحات المتعلقة بضرورة الحل السياسي وتطبيق قرار مجلس الأمن 2254 لا تبدو أية نوايا لتطبيق ذلك على مشهد البلاد، وخاصة من جانب النظام السوري وحليفته روسيا.

ويشير خطاب النظام السوري وسلوكه إلى أنه لا يزال يتمسك بنبرة العسكرية و"الحلول الأمنية" داخليا، أما في المسارات الخارجية من جنيف إلى أستانة وسوتشي، ومسار اللجنة الدستورية السورية، فقد بقي محافظا على "متلازمة الإرهاب" ومزاعم أنه يواجه "حربا كونية"، رافضا تقديم أي تنازلات، حيال مطالب السوريين.

وفي المقابل لم تصل أطراف المعارضة السورية إلى "قاسم مشترك" بشأن "سوريا المستقبل" و"سوريا الآن". وهذه الأطراف ينظر إليها على أنها تعيش حالة من التشظي والانقسام، بينما تفتقد لسلطة القرار، لصالح أطراف إقليمية ودولية.

وما بين المسارين المذكورين يستقبل ملايين السوريين الذكرى الـ11 للثورة في ظروف إنسانية مأساوية، خاصة أولئك المقيمين في مخيمات شمال غربي البلاد، المقدرة أعدادهم بأكثر من مليون ونصف مدني نازح.

ورغم الدعوات الأممية والدولية لحل مشكلة هؤلاء، إلا أن الكارثة التي يتعرضون لها باتت تتكرر كل عام، وخاصة في فصل الشتاء، فضلا عن ملايين آخرين يعيشون في ظروف معيشية مأساوية، في المناطق التي تخضع لسيطرة النظام السوري، بعدما منح الأخير مقومات اقتصادية بارزة لحلفائه، لقاء الدعم الذي قدموه له.

"مفارقات مؤلمة"

ويتحدث الكاتب والناشط السياسي، حسن النيفي، عن ما وصفه بـ"المفارقات المؤلمة" مع حلول الذكرى الـ11 للثورة السورية.

وهذه المفارقات تتعلق "حين نجد أن الثورة السورية تحولت إلى كارثة سورية، بفعل عوامل عدة ذاتية وموضوعية، وسمت سيرورة الثورة بالطابع المعقد، بل وشديد التعقيد".

ويشير الكاتب، في حديث لموقع "الحرة" إلى أن الأرض السورية باتت اليوم "تخضع لأربع سلطات أمر واقع، وجميع هذه السلطات تبتعد ابتعادا متفاوتا عن مشروع الثورة كما أرادها السوريون".

وعلى العكس يقول النيفي: "هذه السلطات تعمل على تكريس النفوذ الدولي في الأرض السورية، وتحول دون أي حالة إجماع وطني، ولعل الأمر لا يختلف من الناحية السياسية، سواء على مستوى انسداد المسارات الأممية أو على مستوى ارتهان الكيانات الرسمية للأجندات الخارجية".

من جهته يرى الصحفي السوري المقيم في شمال سوريا، ماجد عبد النور أن الحل الذي تحتاجه سوريا بعد 11 عاما من الثورة "أن يقف الشعب السوري بكل أطيافه ومعتقداته وميوله السياسية سواء أكان معارضا أو مواليا أمام واقع وحقيقة أنه لا حل لهذه المأساة إلا بجلوس الجميع مع بعضهم، والتفكير بطريقة جدية، للخروج من هذه الكارثة".

ويقول عبد النور لموقع "الحرة": "خلال 11 عاما أثبت النظام أنه غير مبالي بمأساة السوريين، وكان سببا رئيسيا في دمار البلد ورهن مقدراته للمحتلين، ووصول الشعب السوري إلى هذا الوضع المروع".

في المقابل "أثبت المجتمع الدولي أنه غير مبالي بمأساة السوريين، وغير مبالٍ بهذه الجغرافيا المسحوقة"، بحسب الصحفي السوري.

ويضيف: "خصوصا أننا نشهد أزمات أخرى في العالم، ربما تجعل من القضية السورية آخر اهتمامات المجتمع الدولي حتى على الصعيد الإنساني الذي ينبئ بمستقبل مرعب وحدوث مجاعات وكوارث لايمكن تخيلها".

ويؤكد عبد النور: "الحل يجب أن يكون بأيدي السوريين جميعا. لا أحد في هذا العالم مهتم بإيجاد حل لمعاناتنا ومآسينا".

"أولوية هامة"

ورغم ما مر به السوريون خلال الأعوام الماضية، إلا أن الصوت المنادي بمناهضة النظام السوري وضرورة إسقاطه لا يزال حاضرا حتى الآن، ولو برقعة جغرافية محددة، وهو ما تؤكده كتابات سوريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومظاهراتهم التي خرجوا بها الثلاثاء في مناطق متفرقة.

وإضافة إلى ذلك هناك أصوات مناهضة باتت تتردد أيضا ضد سلطات الأمر الواقع، التي برزت على الواجهة في مناطق عدة من شمال غربي البلاد إلى شرقها، وكان لها نصيب من الانتهاكات، رغم أنها لم تقاس بتلك التي اتبعتها النظام السوري.

واعتبر الكاتب السوري، حسن النيفي أن "الوجود الحقيقي للثورة اليوم لا نجده إلا في الضمائر المخلصة".

ويقول: "حتى تتجسد الثورة على الأرض من جديد لا بد من العمل على أولوية هامة ومن دونها لا يمكن الحديث عن ثورة. أعني بذلك استعادة القرار الوطني من خلال حوامل جديدة للثورة غير الحوامل التي ثبت فشلها، وباتت عبئا على قضية السوريين".

وربما يكون الظرف الحالي "مواتيا أكثر من ذي قبل لنشوء حراك شبابي سوري يستطيع أن يظهر للعالم الوجه الناصع للثورة، ويزيل مجمل ما لحق بها من أذى وتشويه".

ويضيف الكاتب: "لعل ما يجعل هذا الأمر ممكنا هو افتضاح قوى الشر، ووقوف العالم أجمع في مواجهة خطر (الرئيس الروسي فلاديمير بوتين)، باعتباره الحليف الداعم لنظام الأسد"، مشيرا: "على السوريين الحريصين على استعادة روح الثورة أن يتفاعلوا مع الحراك العالمي الجديد".

"فرصة من الواقع الجديد"

ويعتبر التدخل الروسي لدعم نظام الأسد في سوريا محطة فارقة في تاريخ الثورة السورية، وبذات التفاصيل التي كان عليها في عام 2015 يتكرر الآن في أوكرانيا.

وتعيش أوكرانيا ظروف حرب، تراها تقارير لصحف عالمية بأنها تشابه ما حصل في سوريا، في بدايات التدخل العسكري لموسكو.

واعتبر الصحفي، ماجد عبد النور أن "الانسداد والاستعصاء العسكري والسياسي الذي تشهده سوريا حالة تعكس مدى عدم جدية المجتمع الدولي والدول الفاعلة في الملف السوري بإيجاد حل للقضية السورية، والبحث دوما عن مصالحهم على حساب مأساة السوريين".

لكنه، ومع ذلك، يرى أن "الحرب الأوكرانية جعلت السوريين أمام واقع جديد وخيارات متعددة"، بقوله: "ربما نشهد نية للمجتمع الدولي أو الدول الفاعلة في الملف السوري، بإحداث انفراجة في حالة القضية السورية".

وكان المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، قال في بيان له، الاثنين، إن "الصراع في سوريا يدخل عامه الثاني عشر، ما يمثل علامة فارقة أخرى (..) الشعب السوري يحتاج ويستحق قبل كل شيء حلا سياسيا".

واعتبر بيدرسون أن "الخروج من هذا المأزق أن تتوصل الأطراف إلى حل سياسي ينهي معاناة السوريين، ويعيد سيادة سوريا، ويمكّن الشعب من تقرير مستقبله"، مضيفا: "رسالتي للجميع واحدة الحل العسكري وهم (..) لم تحدث تحولات في الجبهات منذ عامين، إننا نواجه مأزقا مستمرا، وفي الوقت نفسه نرى انهيارا اجتماعيا واقتصاديا".

المصدر: الحرة