العرب بين حرب أوكرانيا و"حروب" الاتفاق النووي

سياسة

تم النشر في 29 مارس 2022

عبدالوهاب بدرخان

بدأت إيران تخرج من تحت وطأة العقوبات الأميركية حتى قبل أن تُرفع عنها. فهي تكثّف الهجمات الحوثية على مواقع مدنية ومنشآت "أرامكو" وخزّاناتها في السعودية، ولا تهدف الى إنهاء حرب اليمن، بل الى الضغط بالصواريخ والطائرات المسيّرة في اتجاهين: كي تحسم واشنطن قرارها بالموافقة على آخر الشروط الإيرانية لتوقيع الاتفاق النووي الجديد، وكي تحسم الرياض قرارها بالموافقة على "تطبيع" العلاقات بالشروط الإيرانية أيضاً. وفيما أوفدت طهران وزير خارجيتها الى دمشق وبيروت لتقول إنها ستكون جاهزة قريباً لإحداث فارقٍ في الأزمتين الاقتصاديتين في سوريا ولبنان، فإنها عادت الى الاعتراض على الاتفاق السعودي – الكويتي للاستثمار في حقل الدرّة النفطي بذريعة أن "أجزاء منه" تقع في نطاق المياه غير المجدّد بين الكويت وإيران... هذه ليست سوى بدايات للمرحلة المقبلة، وكانت إيران سجّلت سابقتين مرّتا بلا مساءلة أميركية: ضرب منشآت "أرامكو" عام 2019، قصف "الحرس الثوري" أربيل بالصواريخ قبل أسبوعين... لكن ثمّة مؤشّرات الى أن "ما بعد الاتفاق النووي" لن يكون كما قبله.

من لقاء شرم الشيخ الى لقاء العقبة فإلى لقاء القدس، هناك "تحالف ضرورة" يتبلور في المنطقة. وفي الخلفية قضيتان: الحرب في أوكرانيا، والاتفاق النووي الجديد. فالحرب طرحت حتى قبل أن تبدأ مشكلة الحاجة الى إمدادات نفط وغاز خصوصاً الى أوروبا، لكنها دهمت دول الخليج والشرق الأوسط، بما فيها إسرائيل، وهي في خضم تعاملاتها مع روسيا (والصين) واستعدادها للتعايش مع أميركا غائبة/ حاضرة في شؤون الإقليم. أما الاتفاق النووي، كما يتبدّى لدول الخليج، فليس متوقّعاً أن يؤسس لأي تهدئة في المنطقة، بل إنه يجدّد الترخيص لإيران كي تواصل استخدام ميليشياتها في زعزعة الاستقرار كما يفعل حوثيّوها حالياً ضد السعودية، ثم أن الدول الغربية المعنية بهذا الاتفاق وجدت له وظيفة أخرى هي الاعتماد على النفط الإيراني. كل هذه العناصر يفسّر إعراض السعودية والإمارات عن تعويض ذلك النقص.

قد تبدو الدول المنخرطة في هذه اللقاءات كما لو أنها أصبحت للمرة الأولى مناوئة للولايات المتحدة والغرب، ما يمكن أن يثير أيضاً استغراباً وتساؤلات. وقد يقال إنها لا ترتاح الى هذه الإدارة الأميركية، كونها من جهة استحسنت سيناريو "توريط" روسيا ولم تُظهر ما يكفي من حزم وحكمة لمنعها من غزو أوكرانيا وتدميرها، ولأنها من جهة أخرى استسهلت الرضوخ لشروط إيران في مفاوضات فيينا آملةً في اجتذابها الى جانبها في المواجهة مع الصين، حتى لو اقتضى الأمر نقل السياسة الاميركية من "الضغوط القصوى" على إيران الى البحث عن حيلة ديبلوماسية لرفع اسم "الحرس الثوري الإيراني" من قائمة المنظمات الارهابية...

لكن المنطقة مأزومة، ولم تكن دُولها/ أو لم تستطع/ أو حتى لم تردْ أن تكون جاهزة للاستقطاب المطروح عليها: إمّا الغرب وإمّا روسيا. ذاك أن الولايات المتحدة وتقلباتها من نقيض الى نقيض، بين ادارتي أوباما (وبايدن) وترامب، هي التي دفعت العرب للتوجّه شرقاً الى روسيا (والصين) ولعقد مصالح مع هاتين الدولتين. في المقابل لا تبدو دول المنطقة جاهزةً أيضاً للتخلّي عن ارتباطاتها المزمنة و"التاريخية" مع الغرب، لكن ذلك لا يمنعها من انتهاج قدرٍ من التباعد مع الخيارات الغربية، إذ أن حرب أوكرانيا والاستقطابات المواكبة لها تفاقم احتقانات المنطقة وتنعكس سلباً على اقتصادات البعض وعلى الاقتصادات + الأمن الغذائي للبعض الآخر، فيما ينعكس الاتفاق النووي سلباً على استقرارها أمنياً واجتماعياً.

أدّى اشتعال حرب أوكرانيا في الوقت الذي تتخلّى فيه أميركا عن "التزاماتها" تجاه الخليج والشرق الأوسط الى انكشاف التغيير الذي كان يحصل ببطء في التوجّهات العربية، إذ تأكد للعرب أن ما تسمّى "التزامات أميركية" لم تحلّ/ أو بالأحرى لم تشأ أن تحلّ أياً من أزماتهم، بدءاً بالقضية الفلسطينية وصولاً الى المسألة اليمنية وما بينهما، بل زادت في إحباطاتهم وانقساماتهم. وفي السياق نفسه، أدّى التفاوض على الاتفاق النووي الى انكشاف "الخيار الإيراني" لدى واشنطن، خلافاً لكل ما تظهره سياسياً في لقاءاتها مع العرب. فهي تظاهرت مثلاً بأن إزالة تصنيف "جماعة الحوثيين" كمنظمة ارهابية كان خطوة هادفة لإنهاء حرب اليمن، لكن تبيّن أن هذه الخطوة كانت بمثابة رسالة لإبداء حسن نية تجاه طهران برغم ما فيها من خداع ذاتي قبل أن تكون خداعاً لأي طرف آخر.

كانت إدارة بايدن شدّدت على أن إحياء الاتفاق النووي لن يمرّ من دون ضبط البرنامج الصاروخي والسياسات الإقليمية لإيران ثم تخلّت عن هذين الشرطين، ثم قالت إنها تميّز بين عقوبات تتعلّق بالشأن النووي وأخرى تتعلّق بحقوق الانسان ودعم الإرهاب، وإنها لن ترفع "كل العقوبات" كما تشترط طهران، غير أنها تدرس الآن رفع العقوبات عن "الحرس الثوري" لتزيل آخر عقبة أمام توقيع الاتفاق الجديد، بل إنها اضطرّت لتوفير ضمانات مكتوبة لروسيا بأن العقوبات التي فُرضت عليها بسبب غزوها لأوكرانيا لا تشمل علاقاتها التجارية والعسكرية مع إيران. كل ذلك لتسريع الاتفاق والحصول على نفط وغاز، لكن مَن قال أن إيران متعجّلة لتلبية حاجة الغرب أو لدعم العقوبات على روسيا، أو أنها لن تستخدم ملف الطاقة لابتزاز الغرب كي يعترف بنفوذها في الدول العربي الأربع التي احتلّتها وأمعنت فيها تخريباً.

مثلما أن فلاديمير بوتين يخوض حربه في أوكرانيا لاستعادة "الإمبراطورية" الروسية، كذلك يخوض نظام الملالي حروبه لاستعادة "الإمبراطورية" الفارسية. لكن الولايات المتحدة التي لم تذهب الى تسوية مع روسيا لتجنيب أوكرانيا العالم ويلات الحرب المرشّحة للتوسّع، تستعد لتسوية ترضي ايران على حساب العرب حتى لو قادت الى حرب، بل الى حروب في المنطقة. فكل ما سبق، خلال العقدين الأخيرين، كان حروب إيران لمدّ نفوذها وتمكين ميليشياتها ونشر صواريخها ومسيّراتها، أما المرحلة المقبلة فستكون لتنظيم هذا النفوذ وتثبيته اعتماداً "على أميركا" وعلى سلاح نووي ستتوصّل إليه بـ "اتفاق" مع القوى الدولية أو من دون اتفاق. ومن الحجج التي شاعت قبل أيام أن واشنطن يمكن أن ترفع العقوبات عن "الحرس الثوري" لقاء تعهّد مكتوب بوقف التصعيد الإيراني في المنطقة. كانت تلك العقوبات على "الحرس" رمزية، ولم تمنعه من تنفيذ كل مخططاته وعملياته، أما "التعهّد" المطلوب فليس سوى نكتة سوداء لا تُضحك حتى المفاوض الأميركي روبرت مالي ولا رؤساءه.

(عن صفحته - فايسبوك)