أموال المودعين ذهبت الى "جهنم"

سياسة

تم النشر في 6 أبريل 2022

عبدالوهاب بدرخان

في عالم السياسة، كما يتبدّى في حرب أوكرانيا (وقبلها في حرب سوريا)، ليس مهمّاً أن ترتكب قوات روسيا مجزرة متعمّدة، بل المهم أن تعرف موسكو كيف تنكرها وكيف تعيّر الولايات المتحدة بمجازر مماثلة كُشفت ولو بعد حين لكنها حظيت حينها بصمت روسي. وفي عالم السياسة، كما تُمارس عربياً، ليس وارداً في أي ظرف أو مجال أن تكون الدولة والحكومة مصدراً للشفافية، فالمهمّ ألّا تتخلّى عن احتكارها للحقائق سواء كان الأمر أمنياً أو اقتصادياً. وفي عالم السياسة، كما بات يُعرف في لبنان، ليس مقلقاً ولا مهمّاً أن تُسرق ودائع الناس جهاراً نهاراً وأن تنهار العملة ولا تعود لها قيمة شرائية، بل المهم أن تتمكّن الدولة والميليشيا الحاكمة من كتم السرّ وعدم تسمية الأشياء بأسمائها. لذلك قوبل تصريح نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي بالإستهوال إذ قال إن الدولة والمصرف المركزي "مفلسان".

هذا الإفلاس وقع منذ عامين ونيّف على الأقل، وكان توصيفاً واقعياً لواقع الأزمة الشاملة، لكن ما كان يصحّ أن يستخدمه عضوٌ في الحكومة وإلّا فإنه سيوقظ المؤسسات الدولية كما لو أنها غافلة عما آل اليه الوضع اللبناني، أو أنه سيُلفت خبراء الدول التي كانت/ ولا يُعرف إذا كانت لا تزال تريد أن تكون "مانحة"، خصوصاً مع تراكم الأعباء الأوكرانية عليها الى حدّ أنها تباخلت أخيراً في تمويل إغاثة خمسة وعشرين مليون يمني بحاجة الى مساعدة ملحّة. الأهم في كلام الوزير إشارته الى "توزيع" الخسائر على الدولة والمصرف المركزي والمصارف "والمودعين"، كي يتسهّل الاتفاق مع صندوق النقد الدولي.

الدولة لديها أملاكها، كذلك المصرف المركزي، والمصارف لديها رساميلها. كانت هذه الأطراف الثلاثة أنقذت المودعين الكبار أي الحيتان، فتمكنوا أو بالأحرى مُكِّنوا من سحب/ تهريب أموالهم في الوقت المناسب أو الضائع قبل انفجار الأزمة. بقي المودعون الصغار الذين تلقّوا كلام الوزير عن "توزيع الخسائر" باعتباره نعياً صريحاً لا لأموالهم، بل لآمالهم أو آمال أولادهم وأحفادهم في استعادتها يوماً.

اتّضح الآن أكثر لماذا استحال طوال العامين الماضيين اتفاق هذه الأطراف، الدولة والمصرف والمصارف، على توزّع خسائر هي مسؤولة عنها قبل سواها، ولماذا تهرّبت من إقرار مشروع "الكابيتال كونترول" وأفشلت كل المحاولات السابقة للتفاوض الهادف مع صندوق النقد الدولي: كانت تتحايل في ما بينها لابتلاع أموال المودعين، وتتبارى في مَن منها سيغلط أولاً ويقذف هذه الكرة الملتهبة الى الجمهور، بعيداً عن ملعبها. فالدولة والمصرف والمصارف باقية، وتستطيع أن تتواطأ وتتفاهم في ما بينها. إذاً، فليذهب جمهور المودعين وأموالهم الى "جهنم"... ألم يتلقّوا دفعةً/ دعوة "رئاسية" علنية إليها، ألن يلبي كثيرون منهم نداء "ثنائي الحكم" ("حزب إيران/ حزب الله"، و"التيار العوني") فيصوّت لتحالفهما ولإدامة لبنان في "جهنمـ"ـهما؟.. كان التغيير عنوان "انتفاضة 17 تشرين"، وسيدرك التغييريون متأخّرين أنهم ساهموا، بإرادتهم أو خلافاً لها، وخصوصاً بتشرذمهم، في تمكين هذا الثنائي الشيطاني من تغيير البلد على صورته ومثاله.

(عن صفحته - فايسبوك)