الأزمة المالية تهدد بـ "خنق" أصوات المغتربين اللبنانيين

سياسة

تم النشر في 13 أبريل 2022

تهديد جديد يطال اقتراع المغتربين اللبنانيين، أعلن عنه وزير الخارجية اللبناني، عبد الله بو حبيب، يتمثل بعدم توفر المال لتغطية تكاليف العملية الانتخابية خارج لبنان.

فبعد الخشية من أن تطيح المشاكل الإدارية واللوجستية في وزارة الخارجية بانتخابات المغتربين، جاء تحذير بو حبيب من النقص المالي بمثابة ضربة جديدة لحقوق اللبنانيين المقيمين في الخارج، حيث أعلن في حديث صحفي ضرورة التحرك العاجل للمعالجة، مطالباً الأمم المتحدة والدول المانحة المساعدة.

وقال "لقد طلبنا كوزارة خارجية موازنة مقدارها أربعة ملايين ونصف مليون دولار لتنظيم الانتخابات في الخارج، إلا أن وضع الدولة معروف، وآلية الدفع بطيئة جدا والدولار الفريش غير متوافر بسهولة. لذلك، تواصلت مع ممثلي المجتمع الدولي من وزراء وسفراء ومنظمات تابعة للأمم المتحدة، وقلت لهم إن واقعنا المالي متعثر ونريد مساعدتكم لإنجاز الاستحقاق الانتخابي في الخارج".

وخصصت الدولة لوزارة الخارجية ثلاثة ملايين دولار، إلا أنها بحسب ما قاله بو حبيب "لا تكفي لتغطية كل النفقات. ثم إن هذا المبلغ ليس جاهزا للصرف الفوري بسبب التعقيدات المعروفة، علماً أننا وفي إطار التقشف طلبنا من السفراء توظيف علاقاتهم ومعارفهم من أجل تأمين قاعات مجانية لوضع صناديق الاقتراع فيها بدل استئجارها في مقابل مادي كما كان يجري قبلا".

وكان مجلس النواب اللبناني أقر الشهر الماضي فتح اعتماد استثنائي في الموازنة العامة للعام 2022 قيمته 320 مليار ليرة، 260 مليار ليرة منها لوزارة الداخلية والبلديات و60 مليار ليرة لوزارة الخارجية والمغتربين وذلك لتغطية نفقات الانتخابات النيابية.

وفي حديث لموقع "الحرة" أكد بو حبيب قوله "نسير بالترتيبات، وفرنا ثلاثة أرباع المليون دولار حتى الآن، من خلال تأمين صالات، لا زلنا نحتاج إلى حوالي 600 الف دولار" مضيفا "قريبا سيحين وقت الدفع كاش وهو ما ليس متوفرا ولا يوجد حلول حتى الآن".

حق مكرّس

ويخشى المغتربون من ألا يكونوا جزءا من المشهد الانتخابي المصيري لانتخاب 128 نائبا يتوزعون على 15 دائرة انتخابية، وفق قانون انتخابي يعتمد على النسبية، وذلك بعد تطورات كثيرة شهدها لبنان، فهذا الاستحقاق هو الأهم منذ ثورة 17 تشرين ورفع الصوت لاحداث تغيير وانقاذ لبنان مما هو فيه.

وفاق العدد الكلي للبنانيين غير المقيمين على الأراضي اللبنانية المسجلين للاقتراع في الانتخابات النيابية المرتقبة عام 2022،"كل التوقعات"، وبلغ بحسب بيان لوزارة الخارجية اللبنانية 244442 مقارنة بـ 92810 في انتخابات 2018. ومع ذلك لا يشكل هذا العدد بحسب "الدولية للمعلومات" سوى نسبة 25 بالمئة من أجمالي المقيمين في الخارج الذين يحق لهم الاقتراع والمقدر عددهم بنحو 970 ألفا.

وأشارت "الدولية للمعلومات" إلى أن النسبة الأكبر من المسجّلين بلغت 30.6 بالمئة وكانت في قارة أوروبا، فيما سجّل الناخبون في أميركا الشمالية وأوروبا وأفريقيا نسبة 80 بالمئة من الناخبين المسجّلين، ورغم الأعداد الكبيرة للبنانيين في أميركا اللاتينيّة، إلا أن عدد المسجَّلين منهم بلغ 6350 ناخبا فقط.

ونحو ربع مليون لبناني قد يخنق صوتهم في الانتخابات القادمة، ويؤكد المحامي الدكتور بول مرقص، رئيس مؤسسة JUSTICIA الحقوقية أنه "منذ بداية التحضيرات للانتخابات والإعلان عنها كانت ولازالت هناك شائعات تدور حول تأجيل الانتخابات أو عدم إنعقادها نتيجة تطورّات أمنية ولوجيستية قد تحصل، وكان لغير المقيمين نصيب مهم من هذه الشائعات حيث تسعى القوى السياسية جاهدةً أن تبعدهم عن الانتخابات كونهم أكثر فئة من المقترعين تريد إحداث تغيير جذري في هذه الانتخابات".

وشدد مرقص على أن حق غير المقيمين هو حق مكرّس في الدستور حتما وفي قانون الانتخاب 44/2017 وتعديلاته (إنتخاب أعضاء مجلس النواب) حيث نصّت المادة /111/ منه على أنه "يحق لكل لبناني غير مقيم على الأراضي اللبنانية أن يمارس حق الاقتراع في مراكز انتخابية في السفارات أو القنصليات أو في أماكن أخرى تحددها الوزارة وفقا لأحكام هذا القانون وبالتنسيق مع وزارة الخارجية والمغتربين، شرط أن يكون اسمه واردا في سجلات الأحوال الشخصية وأن لا يكون ثمة مانع قانوني يحول دون حقه في الاقتراع عملاً بأحكام المادة الرابعة من هذا القانون."

أي أن الشرط الوحيد لعدم اقتراع غير المقيمين كما قال مرقص "هو عدم وجود أسمائهم في سجلات الأحوال الشخصية ولا يكون ثمّة مانع قانوني، شأنهم شأن المقيمين".

ورغم حفظ الدستور والقانون لحق المغتربين في الاقتراع إلا أن المدير التنفيذي للجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات "لادي" علي سليم، يرى أن العملية الانتخابية في خطر، قائلاً "الأمر لا يقتصر على ذريعة عدم توفر المال بل التخوف كذلك من التهديد الجدي المتمثل بإضراب موظفي وزارة الخارجية يوم الانتخابات بحجة عدم البت بالتشكيلات الدبلوماسية، وغيرهم من موظفي القطاع العام كالقضاة والاساتذة، في وقت لا تقابل مخاوفنا الجدية بأي تعاط جدي من قبل المسؤولين".

ومخاوف سليم ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى تأجيل الحكومة للانتخابات البلدية على الرغم من اعلانها في بيانها الوزاري حرصها على اجرائها في موعدها، من هنا من غير المستبعد كما قال لموقع "الحرة" أن "تخطو ذات الخطوة فيما يتعلق بالانتخابات النيابية إذ ما الذي سيمنعها من ذلك".

ومع ذلك قال سليم "القانون لا يتجزأ، فلا يمكن الغاء جزء من القانون وتطبيق الجزء الآخر، فإما أن يمارس اللبنانيون في بلدهم وفي دول الاغتراب حقهم بالاقتراع أو عندها يمكن الطعن بسير العملية الانتخابية أمام المجلس الدستوري لعدم دستورية ذلك"، وهو ما أكده الباحث بالقوانين والنظم الانتخابية عاصم شيا بالقول "لا يمكن تجزئة الانتخابات إما أن تحصل داخل لبنان وخارجه أو أن يتم تأجيلها وهو ما تريده السلطة السياسية، كونها تخشى من خسارة مقاعد نيابية، بعد تغير المزاج الشعبي منذ ثورة 17 تشرين".

نية مبيتة

وحددت وزارة الداخلية اللبنانية يوم 15 مايو 2022 موعدا لإجراء الانتخابات النيابية، على أن يدلي المغتربون بأصواتهم إما يوم السادس أو الثامن من مايو حسب البلد الذي يقيمون فيه، لكن كلام وزير الخارجية يشكك في امكانية السير بالعملية الانتخابية، وهو ما رفضه رئيس مجلس العمل اللبناني في دبي والإمارات الشمالية شارل جحا حيث شدد على أنه "من واجبه أن يسعى لحقوق المغتربين وليس لبقائهم في حالة ضياع فيما إن كانت ستجرى الانتخابات من عدمه".

وقال "الانتخابات حق للمغتربين، وكما يضعون ميزانية للكهرباء والفيول وغيرهما عليهم وضع ميزانية للعملية الانتخابية، ونرفض بشدة الشحادة من هنا وهناك بحجة عدم توفر المال للسير بالاستحقاق الانتخابي".

وكرر جحا أن وظيفة الدولة اللبنانية تأمين تكلفة الانتخابات، وقال "يتحدثون عن التكلفة الباهظة لنقل صناديق الاقتراع من الخارج إلى لبنان، مع العلم أنه مبلغ زهيد جدا مقارنة بباقي المبالغ المالية التي تصرفها الطبقة السياسية على أمور أخرى، ومع هذا يمكن لمجالس الأعمال والجمعيات اللبنانية المتواجدة في كل دول العالم انتداب أشخاص نزيهين لمساعدة السفراء والقناصل في عملية الاشراف على فرز الأصوات في الخارج وإرسال النتائج إلى وزارة الداخلية اللبنانية".

ويخشى رئيس مجلس التنفيذيين اللبنانيين في الرياض ربيع الأمين من نية مبيتة لتطيير انتخابات المغتربين، فتصريح وزير الخارجية كما يقرأه لا يحمل في طياته إطلاق نداء لإيجاد حلول بقدر ما هو تهيئة لالغاء انتخابات المغتربين، وقال "الواضح أنه وضع تحديات ليست كبيرة من مال وكوادر حلولها موجودة، ومع ذلك أشار إلى أنه أمام حائط مسدود ونحن على بعد شهر واحد من الانتخابات".

ورفض الأمين الأعذار التي وصفها بالواهية، معتبرا أن "حل العقبة التي صورها وزير الخارجية موجود في عقر داره، أي الوزارة، إذ يمكنه إصدار المراسيم اللازمة التي تمكن السفارات من استعمال الأموال الموجودة لديها ولدى القنصليات في مختلف أنحاء العالم، والمحصلة من الرسوم والمعاملات القنصلية، وتقدر بملايين الدولارات، وذلك كحل مؤقت إلى حين استلام الاعتمادات من الدولة، هذا في الشق التقني العملاني أما في الشق السياسي من المؤكد أن هناك أزمة تجتاح بعض أحزاب السلطة من أصوات الاغتراب البعيدة عن الزبائية والتبعية العمياء وإن كان بعض المغتربين محزبين لكن حتى هؤلاء لا يناسبهم المس بالانتخابات".

واعتبر الأمين أن حل مشكلة نقل صناديق الاقتراع كما يجري تصوريها يمكن من خلال تسديد كل سفارة المبلغ المترتب عن ذلك من أموالها، وغير ذلك الكلام اعتبره "حججاً واهية ومقدمة لإلغاء انتخابات المغتربين التي نناضل من أجلها".

خفايا "التضليل الاعلامي"

كلام وزير الخارجية وضعه شيا في سياق ما سبق أن ما سمعه اللبنانيون من الطبقة السياسية اللبنانية منذ الاجراءات الانتخابية واقرار القانون الانتخابي وتحديد موعد الانتخابات، ألا وهو "وضع الناخبين المغتربين في حالة ضياع قدر المستطاع حتى اللحظة الأخيرة للحؤول دون مشاركتهم في عملية الاقتراع، كون عدد كبير منهم يتحضرون لذلك قبل فترة زمنية، يضعون مخططاً للسفر من ولاية إلى أخرى، وتاريخ أخذ اجازة من عملهم، لهذا هم يحتاجون إلى جزم إجراء الانتخابات".

ما قاله شيا أكده مرقص بالقول إن "إنتشار الشائعات والتهويل حول نقص التمويل وعدم قدرة الدولة على تأمين الدعم المادي اللازم لإجراء الانتخابات في الخارج، يساهم في تردد غير المقيمين على الإقتراع، كما وزعزعة إرادتهم بالتغيير المنتظر".

وأشار شيا إلى المحاولات المتكررة للطبقة السياسية ومنها وزير الخارجية المحسوب على التيار الوطني الحر لتطيير الانتخابات، مشيرا إلى طعن هذا التيار بالقانون الانتخابي لحصر أصوات الناخبين المغتربين بستة مقاعد فقط، وشرح "لجأت الطبقة الحاكمة في القانون الانتخابي لعام 2017 إلى اختبار يتمثل باقتراع الناخبين في انتخابات 2018 في الدائرة الانتخابية حسب مكان قيدهم في لبنان، لمعرفة توجههم، فإذا لم يكن لصالح هذه الطبقة يجري العمل على حصر أصوات المغتربين في انتخابات 2022 بستة مقاعد نيابية لا تقدم ولا تؤخر في البرلمان".

وبعد أن صوت البرلمان اللبناني على تعليق اقتراع المغتربين لستة مقاعد نيابية لصالح اقتراعهم في سفارات بلدهم كل حسب دائرته الانتخابية، سارع التيار الوطني الحر كما قال شيا "للطعن بالقانون لدى المجلس الدستوري نيابة عنه وعن حزب الله الذي لا مصلحة له في انتخابات الخارج سوى بالدول الأفريقية، ففي الدول التي وضعت الحزب على لائحة الارهاب لا يمكنه التحرك والقيام بحملات انتخابية ورغم ذلك اصدر المجلس الدستوري قراره في 21 ديسمبر 2021 معتبراً أن القانون المطعون فيه نافذا".

والاثنين، أصدر وزير الداخلية والبلديات القاضي، بسام مولوي، قرارا يقضي بتعديل بعض مراكز وأقلام الاقتراع للناخبين اللبنانيين في الخارج، حيث قرأ شيا ذلك أنه "قد يدخل في إطار محاولة الدولة اللبنانية تقليص تكاليف بدل إيجار الصالات المستخدمة في العملية الانتخابية".

دخل حق المغتربين في المشاركة بالعملية الديمقراطية في المحاصصة وشد الحبال بين الأفرقاء السياسيين وبات كقصة إبريق الزيت، بحسب ما وصف جحا، "في وقت تعتبر الانتخابات محطة أساسية للتغيير أو على الأقل أحداث حركة ايجابية في ظل كل السلبيات التي يمر بها لبنان، كي لا يستمر بالسير في طريق الانهيار".

ولمواجهة محاولات السلطة السياسية تطيير الانتخابات لدى "لادي" مخطط "ب" في حال تبين أن قرار التعطيل سيتخذ، وقال سليم "ستتحرك مجموعاتنا في الخارج بالتنسيق مع مجموعات مدنية تحرص على اجراء الانتخابات النيابية، من أجل الضغط للسير بالاستحقاق الديمقراطي".

من جانبه دعا الأمين اللبنانيين إلى "التطوع ومساندة السفارات والقنصليات لكي تتمكن من تشغيل مراكز الاقتراع، إضافة إلى المشاركة بكثافة في العملية الديمقراطية حتى لو لم يكن لديهم إيمان بامكانية التغيير أو لم يكونوا مقتنعين بلوائح المرشحين سواء كانوا من السلطة أو المعارضة أو قوى التغيير".

وكما قال "اليوم نريد تثبيت قاعدة أساسية ألا وهي ضرورة أن يفوز المرشح بأصوات الناخبين لا بمقاطعة المقاطعين، فمنذ الطائف حتى اليوم فاز معظم النواب نتيجة استنكاف فئة كبيرة من اللبنانيين عن التصويت، من هنا نريد نتائج ترتكز على أصوات الناخبين".

لا شكّ أن حصول السفارات والقنصليات في الخارج على التمويل الكافي لإجراء الانتخابات أمر ضروري، بحسب مرقص "ومع اقتراب موعد الإنتخابات، تسعى الجهود الدبلوماسية اللبنانية إلى تأمين الدعم المادي اللازم إن عبر العلاقات الخارجية مع الدول أو رجال الأعمال من اللبنانيين وغيرهم أو عبر المنظمات غير الحكومية التي تراقب عن كثب التحضيرات".

إلا أن تأجيل الانتخابات كما شدد "أمر صعب في حالة عدم كفاية التمويل وذلك لأنه دائما ما توجد حلول يمكن للدولة أن تلجأ إليها كإجراء الانتخابات في السفارات مما يقلّل من الكلفة أو اللجوء إلى بعض الدول المانحة التي تريد مساعدة لبنان في إجراء الانتخابات".

المصدر: الحرة