لوم الجيش ممكن ولوم "الحزب" ممنوع

سياسة

تم النشر في 28 أبريل 2022

عبدالوهاب بدرخان

صعوبات المعيشة والأزمة الاقتصادية المستمّرة والانسداد السياسي حتى مع الاستحقاق الانتخابي (بعد ثلاثة أسابيع)، أسباب كافية جداً لليأس وللمجازفة بالحياة علّها تتيح الوصول الى أرضٍ أخرى تتيح شيئاً من الأمل بحياة كريمة، وإنْ محفوفة بالذلّ وخطر الموت في بداية الإبحار... من طرابلس. لبنانيون في غالبيتهم، الى جانب فلسطينيين وسوريين، كانوا على متن "مركب الموت" في رمزية ثلاثية لتساوي المصائر وتلاقيها. في مراحل سابقة، ومن مراسٍ مختلفة، لم يكن اللبنانيون في عداد رحلات الهروب واللجوء هذه، لكنهم انضمّوا إليها أخيراً، بفضل مهرّب بلا ضمير صار بمثابة "المخلّص" من الواقع اللبناني بعذاباته شتّى... شهادات الناجين أو المحتجّين الغاضبين لم تشرْ الى "لاشرعية" هجرة المبحرين، فالجميع يروم الرحيل، بل صبّت اللوم على السلطة التي فعلت كل ما تستطيعه لإغراق اللبنانيين في جهنم الجوع والعوز ولم تجد سوى إنهاء رحلتهم في بدايتها وسيلةً لإثبات "شرعيتها".

كان في الإمكان تفادي هذا الحادث المأسوي، ولا بدّ أن يكشف تحقيق الجيش اللبناني الملابسات التي أصبحت معروفة: مخاطرة قوبلت بمخاطرة، والنتيجة ثماني ضحايا انتشلت جثثهم وعدد أكبر غير محدّد من "المفقودين". اكتُشف المركب فاستخدم أساليب المهرّبين لإكمال طريقه، ولم يكن أمام خفر البحرية خيار آخر غير اعادته الى اليابسة وعدم تركه يغادر المياه الإقليمية لينفد من المطاردة. هذه واقعةٌ من مئات شهدتها مياه المتوسط طوال أعوام ماضية، وليس هناك إحصاء حقيقي لعدد الضحايا الذين ابتلعهم البحر. أجهزة حكومية في المنطقة أشرفت على تكثيف موجات اللجوء أو تقليصها حتى وقفها بعد أن تكون حقّقت أهدافها (السياسية أو المالية)، وكل ذلك بتعاون وثيق مع المهرّبين.

لم تعتمد الحكومات اللبنانية هذه السياسة، بل احترمت التزاماتها الأمنية مع الدول المتوسّطية، لكنها في مقابل قطع الطريق عل "الهجرة غير الشرعية" أجازت، أو غضّت النظر عن، مفاسد كثيرة ليس أقلّها تخريب الاقتصاد عبر نهب الأموال وتهريبها الى الخارج، ولا أصغرها تحويل لبنان ممراً لـ "كبتاغون" النظام السوري و"حزب إيران/ حزب الله"، بل ان أكبرها تخريب الدولة ومقوّمات الاستقرار عبر تهريب الأسلحة والصواريخ الإيرانية الى الداخل. أمام فظاعة هذه الجرائم تبدو محاولة الهاربين من اليأس والجوع للهجرة الى أي مكان آمن أشبه بـ "مزحة" سوداء أو قل جنحة تستحق العقاب وليس الموت، فيما يبقى مرتكبو تلك الجرائم الكبرى طلقاء محصّنين مبجّلين ويعاد انتخابهم وتكليفهم بسنّ قوانين يكونون أول من ينتهكها.

انعقد مجلس الوزراء استثنائياً للبحث في مأساة "مركب الموت"، وعدا إبداء الحزن والأسى ودقيقة الصمت حداداً، غداة التشدد مع الجيش لإجراء تحقيق "شفاف وسريع" وجلاء حقيقة ما حصل، لم يكن متوقّعاً أن تؤكّد الحكومة أنها باشرت فعلاً معالجة الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية التي أطلقت طموح اللبنانيين كافة للهجرة، شرعيةً أو غير شرعية. في المقابل، تواصل هذه الحكومة اعطاء الاشارة تلو الأخرى الى أنها ممعنة في نسيان جريمة انفجار/ تفجير مرفأ بيروت، بعدما عطّلت التحقيق فيها لئلا يكشف الحقيقة المزعجة لـ "حزب إيران" وعملائه الذين تفانوا في تغطية علاقته بأطنان "نيترات الأمونيوم".

(عن صفحته - فايسبوك)