رغم اقتراب الموعد.. لبنانيون لم يحسموا خيار مشاركتهم في الانتخابات

سياسة

تم النشر في 30 أبريل 2022

اقترب موعد الانتخابات النيابية ومع ذلك لم يحسم عدد من اللبنانيين خيار مشاركتهم في هذه العملية الديمقراطية أو الجهة التي سيقترعون لها، حيث بلغت نسبتهم 40 بالمئة بحسب استطلاع للرأي أجرته "الدولية للمعلومات".

وصلت نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية الماضية إلى 49.20 بالمئة، فيما كانت قد بلغت 54 بالمئة في عام 2009، واليوم ترتفع الأصوات التي تحث اللبنانيين على عدم المقاطعة لا سيما من قبل القوى التغييرية التي تجد أن الطبقة الحاكمة هي المستفيدة من كل مستاء ومحبط مما وصل إليه البلد وفي ذات الوقت يرفض الادلاء بصوته.

تعتبر الانتخابات الحالية مصيرية كونها الأولى التي ستجري بعد ثورة 17 أكتوبر وما إنبثق عنها من وجوه جديدة قررت خوض العملية الديمقراطية بلوائح في مختلف المناطق اللبنانية، ولأنها تسبق استحقاق انتخاب رئيس الجمهورية في أكتوبر القادم، إضافة إلى أنها ستجري من دون مشاركة "تيار المستقبل" الذي قرر زعيمه رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري تعليق عمله السياسي.

الجميع يترقب فيما إن كان بداية ستحصل الانتخابات بعد ارتفاع منسوب التوترات الأمنية المتنقلة في البلاد وارتدادات غرق زورق المهاجرين غير الشرعيين في طرابلس شمال لبنان، لاسيما مع اتهام الناجين للجيش بالوقوف خلف الكارثة، اضافة إلى ترقب توجه من لم يحسمون خيارهم بعد حيث أن قرارهم مرهون بحسب ما قاله الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين لموقع "الحرة" "بالتحالفات التي ستحصل وبالأموال التي ستدفع، اذ سيكون للمال تأثيراً كبيراً في هذه الانتخابات".

أسباب غياب "الحماسة"

نهى سعيد (من طرابلس) واحدة من الذين يرجحون مقاطعة الانتخابات كون من وجهة نظرها لا أحد سيتمكن من انقاذ لبنان من الانهيار والمستنقع الذي هو فيه، وقالت "السلطة اللبنانية قتلت اللبنانيين، دمرت العاصمة الأولى بيروت والعاصمة الثانية طرابلس، ولها اليد الكاملة في فاجعة مركب المهاجرين، أما الذين يدّعون التغيير فوعودهم فضفاضة على الواقع".

وأضافت "لست مقتنعة أن هذه الانتخابات ستغير أي شيء، فهذه الطبقة السياسية ستستمر في الحكم. لبنان يحتاج إلى حل اقليمي ودولي، المسألة لا تختصر بمظاهرة أو بثورة، ثمة سلطة متجذرة ومسلحة لا يمكن اقتلاعها لا بالصوت ولا بالكلمة، وعلى ما يبدو لم يحن الوقت بعد، لذلك ارجح أن لا أدلي بصوتي في هذه الانتخابات".

بلغ عدد المرشحين للانتخابات 1044 مرشحاً مع إقفال باب الترشح منتصف مارس الماضي، إلا أن هذا العدد انخفض بعد انسحاب عدد من المرشحين وسقوط ترشيح 284 آخرين، لعدم انضوائهم تحت أي لائحة، فيما بلغ عدد اللوائح المسجلة 103 لوائح وذلك بزيادة كبيرة عن العام 2018 حيث بلغت حينها 77 لائحة.

الخبير الانتخابي كمال فغالي أشار إلى أن "ما بين 40 إلى 45 بالمئة من السنّة الذين شاركوا في انتخابات 2018 والذين بلغت نسبتهم حينها 60 بالمئة سيقاطعون هذه المرة الانتخابات، في حين تراوحت نسبة من شارك في الانتخابات الماضية عند المسيحيين ما بين 35 و40 في المئة أما الآن فستصل نسبتهم إلى 15 في المئة، كذلك الأمر عند الموحدين الدروز، أما الشيعة فستصل نسبة من لن يشاركوا في الانتخابات إلى العشرة بالمئة".

بلغ عدد الناخبين النهائي عند تجميد القوائم النهائية في أول فبراير 3,967,507، أما في ما خص العدد النهائي للناخبين الذين يحق لهم الاقتراع في الخارج فقد بلغ 225,624 ناخباً.

وشدد فغالي في حديث لموقع "الحرة" على أن نسبة المقاطعة تختلف من منطقة إلى أخرى "ففي طرابلس على سبيل المثال تصل نسبة من سيقاطعون الانتخابات إلى 45 بالمئة بينما في المنية الضنية فتتراوح النسبة ما بين 10 و15 بالمئة".

ما هو مؤكد كما قال فغالي أن نسبة التصويت ستنخفض في كل المناطق بسبب الوضع الاقتصادي والاجتماعي اضافة إلى التزام بعض السنّة بقرار رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، شارحاً "اللبنانيون يحمّلون السلطة والسياسيين مسؤولية الانهيار في وقت لم يظهر البديل المقنع من قوى الثورة والتغيير لانتخابه".

من جانبه أشار الكاتب والصحافي مجد بو مجاهد إلى أن "عدم حسم 40% من اللبنانيين خيارهم لجهة المشاركة في الانتخابات من عدمها، والجهة التي سيقترعون لها، بمثابة تعبير واضح عن غياب الحماسة والاهتمام الكافيين بالاستحقاق الانتخابي".

ثمة أسباب عدّة بحسب بو مجاهد "مرتبطة بشكل أو بآخر بالتمهّل الذي لا يزال يختصر المشهد الانتخابي على المقلب الشعبي، بدءاً من حاجة الناخبين إلى التعرّف على اللوائح التي سجّلت أعداداً غير مسبوقة في غالبية الدوائر، وفي طليعتها دوائر "الشمال الثانية" مع 11 لائحة، "بيروت الثانية" مع 10 لوائح، "الشمال الأولى" و"البقاع الأولى" مع 8 لوائح، كما سجّلت 5 دوائر 7 لوائح".

وقال بو مجاهد في حديث لموقع "الحرة" إنه "لا يمكن إغفال أسباب رئيسية تفرض تمهّل الناخبين منها الحرص على الخصوصية في مقاربة استحقاق ديمقراطي وتفضيل عدم الاعلان عن رأيهم إلا في صندوق الاقتراع، حيث يلجأ منهم إلى اختيار خانة "لا أعلم" أو "لم أقرّر" في استطلاعات الرأي للاحتفاظ برأيهم. وهذه مسألة طبيعية انطلاقاً من مبدأ سريّة الاقتراع كإحدى ركائز ديموقراطية الانتخابات".

في المقابل، لفت إلى أن "بعض الناخبين قد يبتعدون عن التعبير عن مقاربتهم الانتخابية في الاستطلاعات خشية من الضغوط التي قد تعترضهم والحذر من إبداء رأيهم علانية، حتى وإن كانت الاستمارات عشوائية ولا تتضمن أسماءهم. ومن الأمثلة الواضحة، المضايقات التي يتعرّض لها عددٌ من المرشّحين كما الناخبين في بعض الدوائر، ومنها دائرة "الجنوب الثانية" التي شهدت اعتداءً واضحاً على مشاركين في إطلاق لائحة المعارضة في الدائرة ومنعهم من الوصول إلى مكان الاحتفال، بما يعارض حريّة التجمّع المنصوص عليها في الدستور".

وأشار إلى أن "عدداً من المرشحين على اللوائح المعارضة والتغييرية، وخصوصاً في دوائر الجنوب اللبناني وحضور "حزب الله"، يعبّرون صراحةً عن تحديات تواجههم كالتضييق على المندوبين والناخبين الذين يطرحون الأسئلة على مرشحي المعارضة، ومنهم يعبّرون عن دعم بصوت خافت لهم خلال زياراتهم الانتخابية تفادياً لأي نوع من المضايقات".

ولا يغفل بو مجاهد أسباباً إضافية تحول دون حسم شرائح من الناخبين مقاربتهم لكيفية التعامل مع الاستحقاق الانتخابي، ومن بينها "الاحباط لدى بعضهم نتيجة الاوضاع الاقتصادية واهتمامهم بتأمين المستلزمات المعيشية التي تشكّل أولوية لجهة تأمين القوت اليومي، لكن ذلك لا بدّ أن يشكّل حافزاً للمشاركة في صناعة القرار للخروج من الواقع الحالي عبر الانتخابات بدلاً من الاحتكام إلى خيار الاستسلام وعدم التوجه إلى صناديق الاقتراع الذي يعكس تداعيات ونتائج خطيرة على مستقبل لبنان".

أما السبب الآخر الذي يؤدي إلى غياب حماسة البعض انتخابياً، فيعود إلى "تشكيك بعض الناخبين وإن بمستويات قليلة مقارنة مع الأسابيع الماضية، بأن الانتخابات حاصلة بشكل حتميّ في موعدها".

سلبيات المقاطعة

"صمتنا بفجّر بيروت مرة تانية" لوحة اعلانية كبيرة رفعت في وسط العاصمة اللبنانية تشير إلى تأثير مقاطعة الانتخابات على النتائج التي سوف تفرزها صناديق الاقتراع، في حين انتشرت يافطات في الطريق الجديدة تدعو إلى المقاطعة وتؤكد الالتزام بخط ونهج الحريري.

ابنة الطريق الجديدة (معقل تيار المستقبل) سهى الرواس ستقاطع الانتخابات والأمر محسوم بالنسبة إليها، حيث شددت على أنه "عاهدنا الشهيد رفيق الحريري أن نكون أوفياء، واليوم جاء وقت اثبات ذلك لنجله، فكيف لنا أن نمنح صوتنا لغيره، لن نخون زعيمنا، الذي فعل المستحيل من أجل بيروت ولبنان".

الرواس اعتبرت أن "مرشحي قوى التغيير أثبتوا أن همّهم الكرسي لا البلد، والدليل عدم توحدهم بلائحة واحدة في كل دائرة"، قائلة "ما الذي بامكانهم أن يفعلوه إذا وصلوا إلى المجلس النيابي، هل سيؤمنون لنا الكهرباء والماء والدواء والاستشفاء، هل ستختفي البطالة ويعود لبنان سويسرا الشرق، بالتأكيد لا، سيبقى الوضع على ما هو عليه".

من جانبه لم يحسم هيثم مناع (من صور جنوب لبنان) قراره بعد، فهو كما قال ليس مقتنعاً بالمرشحين الذين يطرحون أنفسهم بديلاً عن السلطة، مشدداً "إذا كان من المستحيل أن أمنح صوتي بعد الآن لأي حزب أو زعيم فإن ذلك لا يعني أن اكون مقتنعاً باللوائح المعارضة، فلا برامج سياسية واضحة، كلام ووعود مشابهة لما سبق أن سمعناه من نواب انتخبناهم وخذلونا، لذلك أرجح أني لن أضيع وقتي بعد الآن وأتوجه إلى صندوق اقتراع لأساهم بوصول أشخاص لن يجيبوا حتى على اتصالي في حال فازوا بالانتخابات".

الخبير الانتخابي عاصم شيا قسّم نسبة الـ40 بالمئة التي توصلت إليها "الدولية للمعلومات" إلى ثلاث فئات، الفئة الأولى تشمل مقاطعي الانتخابات سابقاً والذين لا يزالون على موقفهم فيما يتعلق بالانتخابات التي ستجري في الخامس عشر من الشهر القادم، أما الفئة الثانية فتشمل من كانوا يصوتون للأحزاب السياسية واتخذوا قرار المقاطعة، بعدما وصولوا إلى قناعة أن الحزب الذي كانوا يؤيدونه لم يلب طموحاتهم وتطلعاتهم ولم يحم أموالهم في المصارف، أما الفئة الثالثة فتشمل جزء كبيراً من جمهور "تيار المستقبل" الملتزم بقرار رئيسه مقاطعة الانتخابات النيابية.

وعن انعكاس مقاطعة نسبة كبيرة من اللبنانيين للعملية الديمقراطية اعتبر شيا أن "الأمر يتوقف على الفئة المقاطعة، فتمسك الفئة التي كانت تقاطع الانتخابات سابقاً بموقفها ينعكس ايجاباً على الطبقة الحاكمة، في حين مقاطعة من كانوا يصوتون للأحزاب سينعكس بالتأكيد بشكل سلبي على من هم في الحكم الآن، أما مقاطعة من ينتمون إلى فئة تيار المستقبل فمن المحتمل أن يكون انعكاس قرارهم سلبي على كل الطبقة السياسية".

وأضاف "لكي تتمكن القيادات الثلاث: المارونية المتمثلة برئاسة الجمهورية والسنية المتمثلة برئاسة مجلس الوزراء والشيعية المتمثلة برئاسة مجلس النواب من تحقيق الميثاقية وما يسمى تشكيل حكومة وفاق وطني، عليها بداية الحصول على كتلة وازنة في البرلمان، من هنا عدم حصول القيادات الثلاث على عدد لا بأس به من الأصوات سيؤدي إلى ضرب الميثاقية لاسيما وأن الأكثرية التي تمثل الطائفة السنية هي خارج اللعبة السياسية".

وحذّر شيا من استمرار افتعال الماكينات الانتخابية للأحزاب السياسية المشاكل على الأرض بهدف تخفيض نسبة مشاركة المعارضين لها في التصويت وقال "ما يخيف أحزاب السلطة في لبنان هو ارتفاع نسبة المشاركة في الاقتراع نتيجة خسارتها عدداً من جمهورها وذلك كي تبقى تمثل الأكثرية الوهمية في البرلمان".

كما تطرّق بو مجاهد إلى السلبيات الناجمة عن عدم الاهتمام بالاستحقاق الانتخابي والاتجاه إلى عدم المشاركة في عملية الاقتراع أو التعامل مع الانتخابات باستهتار.

واعتبر أن "انخفاض الحواصل الانتخابية يشكل محاذير وهواجس كبرى لأنه يعود بالمنفعة على اللوائح المدعومة من "حزب الله" في دوائر حضور خصومه السياسيين، ومن بينها مثلاً "بيروت الثانية" وطرابلس وعكار وزحلة وصيدا؛ خصوصاً أن استطلاعات مراكز الأبحاث تظهر بوضوح أن نسبة المقاطعة الانتخابية الأكبر حتى الساعة مرتبطة بشكل أكبر بالبيئات المناهضة والمضادة لمحور "حزب الله"، بما يؤكد ضرورة توجه الناخبين المحسوبين على قوى 14 آذار سابقاً إلى صناديق الاقتراع في وقت يصبّ الهدف الأساسي على تغيير الأكثرية النيابية الحالية".

وصوّب بو مجاهد على معنى التصويت بورقة بيضاء "الذي يؤدي إلى رفع الحاصل الانتخابي ولا يعتبر ذي جدوى أو فعالية، بما يعني أن التصويت للائحة معيّنة يبقى بمثابة خيار أفضل من الورقة البيضاء".

المصدر: أسرار شبارو - الحرة