صار لدى ثورة 17 تشرين من يمثلها

سياسة

تم النشر في 18 مايو 2022

صار لدى ثورة 17 تشرين من يمثلها في البرلمان. بالأحرى، استطاعت هذه الكتلة الضبابية من اللبنانيين، مجهولة الطائفة، اختراق جدار الطوائف العنيد، وإيصال مجموعة من الناس تنتشر على مساحة البلد برمته، من دون أن يكون الذي أوصلها انتماؤها إلى حزب الطائفة وزعيمها.

هذا انتصار هائل لناس 17 تشرين، يتحقق لأول مرة في تاريخ لبنان، ينحصر فيه الانتماء الطائفي، بالهوية فحسب، بينما يفرح للفوز به هذا الخليط الواسع من اللبنانيين. مذاهب الفائزين تفصيل عابر لم يقف عنده أحد، لأن هؤلاء، الفائزين منهم والخاسرين والنشطاء معهم، هؤلاء تبنوا خطاباً صادقاً نظيفاً من لغة الأحزاب، نظيفاً من التباكي الكاذب على الطوائف، والتصدي الأكذب لحمايتها من أعدائها الذين يتربصون بها. كانوا واضحين في مطالبهم الإصلاحية على مستوى البلد برمته. لم يبتذلوا خطابهم كي ينافسوا ابتذال الخطاب الخصم. وأسقطوا، أول ما أسقطوا، منتجات فاسدة منتهية الصلاحية، فبدا انتصارهم انتصارين، أولاً لأنهم ربحوا، وثانياً لأنهم منعوا تكرار أدوات بائدة مثل إيلي الفرزلي وطلال أرسلان ووئام وهاب وأسعد حردان، كما قضوا على سيء ذكر مثل سفاح السافانا وغول المصارف مروان خير الدين.

وصول ١٧ تشرين إلى البرلمان، أربك، أول ما أربك، الثنائي الشيعي وزائدته الدودية جبران باسيل.

الحاج السمح محمد رعد تعامل مع السلطة التشريعية تعامله مع نادي العهد الرياضي، فبدا مالكاً للبرلمان وهو يرحب بالناجحين، غصباً عنه، ترحيبه بأشبال انضموا لتوهم إلى كشافة المهدي، وأعطاهم مختصراً عما ينتظرهم مستقبلاً، وحذرهم من أن يكونوا درعاً لإسرائيل. هكذا، من دون أي مسوغات، رمى الحاج التهمة المطاطة التي اعتمدها الأمين العام للحزب حسن نصر الله في اليوم التالي على اندلاع الاحتجاجات في الشارع، وظلت معتمدة، وعلى الأرجح أنها ستلاقي شعبية خشبية كبيرة في السنوات المقبلة.

هوّل الحاج محمد رعد بفائض هرموناته المعهود، على هؤلاء الأفراد الآتين من مختلف المناطق، بأصوات لبنانيين من مختلف الطوائف. أمرهم، هكذا من دون سبب، بألا يكونوا “درعاً لإسرائيل”، وتوعدهم بحرب أهلية جديدة إذا صاروا هذا الدرع الذي لن يجد الحاج صعوبة في تحديد ماهيته وشكله، هو الذي لا ينافسه أحد في مهاراته بالتخوين، مستعيناً، في كل مرة بأربع أو خمس مصطلحات كافية ووافية بالنسبة إليه، للحكم على الآخرين، كل الآخرين وتنفيذ حكمه فيهم.

مربَكٌ الثنائي. ليس من عادته أن تخسر حتى العصا، إذا ما نزلت في لائحته، على ما كان يتفاخر. ها هي العصي تتساقط واحدة تلو الأخرى، ولا تجد من يأسف عليها ولا من يواسيها، حتى لدى جمهوره نفسه. صحيح أن المعجزة لم تتحقق، وجمهوره في طائفته ما زال لديه هذه العصبية الحديدية التي تمنع ولو اسماً شيعياً واحداً من العبور، إلا أن الأيام نداولها بين الناس، والعاجز عن إيصال حلفائه إلى المجلس اليوم، سيعود ليقرأ كثيراً في أوراقه تحسباً للأيام المقبلة، عسى ألا يستفيد شيئاً.

جبران باسيل قلّد، من دون إقناع ولا موهبة، شقيقه الأكبر. إنها حرب أميركية إسرائيلية تخاض ضد جبران بدأت في17 تشرين، وقد انتصر فيها. جبران، عدو نفسه، حين يردد مثل هذه العبارات الكبيرة الجوفاء، يبدو طفلاً يناديه والده ليطلب منه أن يعيد على مسامع عمّو ما حفظه، فيردد جبران: “حرب إسرائيلية أميركية علينا”، لينفجر الجميع ضاحكين ويندفع عمّو لتقبيله على خده.. “برافو جبران برافو. الصبي نابغة”.

ليست “17 تشرين” مشكلة جبران وإن كان له معها ثأر شخصي، ولا حتى القوات اللبنانية. مشكلته مع نفسه. عنجهيته وشوفينيته ستسيران بالتيار إلى نهاية لن يحسد عليها. ابتلاعه لهذه الحركة، بتمكين بلا حدود من والد زوجته، وتفريغها من أي صوت آخر، واختصارها بشخصه، ستقضي عليها في نهاية المطاف. جبران باسيل ليس بحاجة إلى إسرائيل ليقضي على التيار الوطني الحر، يكفيه جبران باسيل.

ما لنا الآن. المهم أنه صار لـ17 تشرين من يمثلها، إن من الذين وصلوا إلى البرلمان، أو خسروا. هذا ليس انتصاراً منقوصاً، بل انتصاراً مدوياً كصرخة لا ينقطع نفسها أمام جدار الفصل الذي رفع أمام مجلس النواب. وجوه جديدة وصلت، بخطاب حديث، بلا لون طائفي يختبئ خلف لون حزبي، بلا أجندات خفية، وبلا نوايا سيئة وبلا أمراض السلطات الحزبية في معاملتها طوائفها كقطعان. هذا وجه جديد نضر للبنان، سيخيف الصدأ العتيق الذي يلتهم روح البلد. وجه جديد، وليس مجازاً لنصر معنوي يقف عند درج البرلمان ولا يدخله. أفراد اقتحموا مجلس النواب بأصوات اللبنانيين، مبروك لهم، ولا عزاء طبعاً، لا للأحزاب، ولا للثنائي ولا لزائدته الدودية.

(عن صفحته - فايسبوك)