الجزائر – اسبانيا: حرب "صحراوية" متأخرة

سياسة

تم النشر في 14 يونيو 2022

عبدالوهاب بدرخان

لماذا يميل مزيدٌ من الدول الى صيغة الحكم الذاتي المغربي كحلٍّ لقضية الصحراء الغربية؟ لأن الحرب جُرّبت وحُسمت لكن النزاع استمرّ، ولأن الوساطات العربية وغير العربية استُهلكت وأوقفت لعدم استجابة الجزائر، كذلك مبادرات المغرب ومحاولاته مع الجزائر لبناء تسوية ثنائية، ولأن مهمّة الأمم المتحدة طوال العقود الثلاثة الماضية لم تتوصّل الى تنظيم استفتاء على تقرير المصير، ولأن التفاوض بين المغرب و"جبهة بوليساريو" لم يحرز أي تقدّم، والأهم لأن الحال في مخيّمات تندوف في الجزء الجزائري من الصحراء لا تزال بدائية بالمقارنة مع التجربة التي أنشأها المغرب ويواصل تطويرها في الجزء الأكبر من الصحراء تحت سيادته وتُعتبر ناجحة وواعدة اقتصاديّاً وتنمويّاً، وأخيراً لأن معايير هذه التجربة تجعلها صالحة لأن تكون نموذجاً جاهزاً لحلٍّ سلمي دائم في مقابل خيار "الصراع المفتوح" الذي تتبنّاه الجزائر، لاستنزاف المغرب.

هي قضية بين دولتين عربيتين توسّط فيها جيمس بيكر كمبعوث أممي ثم استقال قائلاً إن "لا حلّ لها". فالمغرب اعتبر دائماً أن الصحراء الغربية جزء لا يتجزّأ من أرضه واستثمر في تنميتها وجعل أقاليمها وساحلها ومدنها مكاناً حيوياً يستطيع السكان الصحراويون العيش فيه. أما الجزائر فلم تتصرّف رسمياً على أن لها "حقّاً" تاريخياً في هذه المنطقة، لكنها دعمت "جبهة بوليساريو" في القتال ضد المغرب ورفض سيادته على الصحراء، كما لا تزال تعتبرها منذ منتصف سبعينات القرن الماضي محوراً لسياستها الخارجية، وتستمر في التعامل معها على أنها من قضايا تصفية الاستعمار وتطالب الأمم المتحدة بالإشراف على إقامة "حكم ذاتي" فيها.

أما اسبانيا، دولة الاستعمار السابق، فتخلّت منذ خمسة عقود عن دورها الإداري في تلك المنطقة، لكن الأمم المتحدة والدول الثلاث، المغرب والجزائر وموريتانيا (تخلّت لاحقاً عن أي مطالبة)، ظلّت تعتبر اسبانيا مرجعية تحديد هوية الأرض والشعب. واستناداً الى ذلك، جاء اعلان مدريد، للمرّة الأولى منذ بدء النزاع، دعمها الحكم الذاتي المغربي للصحراء (18 آذار/ مارس الماضي، بمثابة صدمة أخرى للجزائر، بعد صدمة اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء (19 كانون الأول/ ديسمبر 2020).

على رغم امتعاضها الشديد من القرار الأميركي، الذي اقترن بإعادة العلاقات المغربية - الإسرائيلية، فإن الجزائر لم تتوسّع في انتقاده ولم تلوّح بالردّ عليه، ثم أنها محّصت التفاصيل ووجدت أن واشنطن لم تغلق الباب أم حلٍّ ديبلوماسي على أساس التفاوض لتطبيق قرارات الأمم المتحدة. غير أن العبارة الاميركية التي تصف الحكم الذاتي المغربي بأنه "الاقتراح الجاد والواقعي والأساس الوحيد لحلٍّ عادلٍ ودائم لتحقيق السلام"، غدت لاحقاً صيغة معتمدة وإنْ مع بعض التعديل، سواء في مناقشات مجلس الأمن التي تعتبر مبادرة الحكم الذاتي الاقتراح الوحيد العملي بعد اخفاق محاولات تنظيم استفتاء على تقرير المصير للصحراويين، أو في مواقف دول عربية وغربية، باعتبارها "الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية" لحل القضية.

ومع أن الموقف الاسباني ظلّ في الإطار ذاته (اعتراف مبدئي بالحكم الذاتي مع إبقاء الحلّ النهائي في كنف الأمم المتحدة)، إلا أن الجزائر اعتبرته "خيانة" و"خداعاً" لها وقررت عملياً "معاقبة" مدريد بإيقاف التعامل التجاري معها، فيما أوحى قرارها تعليق "معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون" بأنها تستعدّ لمزيد من الضغوط، وقد توقف فجأة امدادات الغاز عن اسبانيا على رغم تأكيد سابق من الجزائر بأنها لن تفسخ العقود المبرمة وستفي بالتزاماتها. الواقع أن الجزائر عوّلت دائماً على موقف اسباني (وأوروبي) محايد وغامض باعتباره داعماً لموقفها حيال الصحراء، لكنها باتت تشعر منذ الاعتراف الأميركي وتفعيل التطبيع المغربي - الإسرائيلي بأن الملف يهتزّ بين يدي ديبلوماسيتها، لذلك اعتزمت الذهاب الى أقصى التشدّد، بدءاً بقطع كامل للعلاقات للمغرب (24 آب/ أغسطس 2021) ثم وقف العمل بأنبوب الغاز المارّ بالمغرب (تشرين الثاني/ نوفمبر 2021)، وأخيراً بتكثيف المناورات العسكرية بالقرب من الحدود المغربية استباقاً لمناورات متعددة الأطراف تقودها الولايات المتحدة في منطقة تشمل جزءاً من الصحراء.

تحاول مدريد حث الاتحاد الأوروبي على التدخّل في الأزمة، باعتبار أن وقف التجارة يمثّل انتهاكاً لاتفاق الشراكة الأوروبية - الجزائرية. وما يقلق اسبانيا أن ردّ الجزائر على التحذير الأوروبي الأولي زاد الإيحاء بأنها مصممة على التحدّي وتشعر بأنها في موقع قوة، انسجاماً مع خطواتها منذ سحب سفيرها غداة صدور الموقف الاسباني الجديد من قضية الصحراء، والاقتناع السائد أن السفير لن يعود الى مدريد ما لم تنته الأزمة على النحو الذي تريده الجزائر. ومن الواضح أن التصعيد يستهدف دفع مدريد الى سحب موقفها أو التراجع عنه، لكن حكومة بيدرو سانشيز كانت أعلنت أن موقفها اتُخذ بناء على "قرار سيادي". ومن خطوات التصعيد، مثلاً، وقف التعاون في مكافحة الهجرة النظامية، والامتناع عن استقبال المهاجرين غير الشرعيين الذين تقرر اسبانيا ترحيلهم، والأزمة المفتعلة لوقف ضخ الغاز في حال باعت إسبانيا أي كمية منه الى المغرب.

لا شك أن "العقوبات" سلاحٌ مؤثّر سياسياً، خصوصاً في زمن الأزمات الاقتصادية، إذ أن وقف النشاط التجاري يعرّض عشرات القطاعات والشركات الكبرى لخسائر فادحة، وتستخدمه الجزائر بمثابة تحذير مسبق للدول التي تفكر في اعلان مواقف صريحة من قضية الصحراء، كما فعلت المانيا وهولندا، وكان ملاحظاً أن الجزائر استبقت خطواتها ضد اسبانيا باتفاقات تقارب غير مسبوق مع ايطاليا. وبات متَدَاولاً مغاربياً وحتى اوروبياً أن الجزائر في صدد تفعيل علاقاتها مع أحزاب اسبانية مناوئة للحزب الاشتراكي الحاكم، وأنها لا تخفي سعيها الى اسقاط حكومة سانشيز، علماً بأن تقاربه مع المغرب أثار خصومه في اليمين (حزب الشعب) واليمين المتطرّف (فوكس) والوسط الليبرالي الذين يعتبرون أن ليس لديه الدعم ولا التفويض لتغيير موقف اسبانيا في شأن الصحراء. لكن مبادرة سانشيز أرادت من جهة إعادة ضبط الهجرة الشرعية عبر جيب سبتة المغربي، ومن جهة أخرى إنعاش مناطق الجنوب الاسباني بعدما تأثّر اقتصادها بشدّة خلال القطيعة مع المغرب (بدءاً من أيار/ مايو 2021).

التوازن الديبلوماسي بين المغرب والجزائر في صدد أن يصبح مستحيلاً اوروبياً، خصوصاً مع ازدياد مجالات التعاون والاستثمار بين المغرب ودول أوروبية عدة، تحديداً بالنسبة الى الطاقة المتجددة والعمل الحثيث لمدّ انابيب الغاز النيجيري الى اوروبا عبر المغرب. وفي الاثناء يراقب الأوروبيون عن كثب تنامي التنسيق الجزائري مع روسيا خصوصاً في مالي ومنطقة الساحل الافريقي...

(عن صفحته - فايسبوك)