مفاوضات الترسيم... بضمان إيراني؟

سياسة

تم النشر في 15 يونيو 2022

عبدالوهاب بدرخان

لا تخفي مناورات الأطراف اللبنانية للإيحاء بوجود "موقف موحّد" من الأطروحات الأميركية - الإسرائيلية أن لبنان في صدد التنازل، بعد النزول من على شجرة المزايدات، لينال فقط ما كان معروضاً عليه منذ الجولة من المفاوضات. وبعد الأمر الواقع الذي فرضه وصول سفينة استخراج الغاز الإسرائيلي، ومسارعة بيروت الى طلب نجدة الوسيط الأميركي، ضاق هامش المناورة، ولم يعد ممكناً اللعب على الخطّين 23 و29، بل الأهم أنه لم يعد ممكناً استسهال التلويح بـ "ردع" سلاح "حزب إيران/ حزب الله"، إذ يمكن استخدامه من دون أن يتوصّل الى النتيجة المتوخّاة. وفي الأساس، عندما وافق لبنان على التفاوض، وفقاً لـ "اتفاق الإطار" الذي أعلنه رئيس المجلس النيابي، فإنه أقرّ بأن المسألة تُحلّ بالتفاوض وليس بـ "سلاح المقاومة". لذلك فإن أجواء الحرب التي شاعت خلال الأسبوع الماضي كانت محفوفة بالمحاذير والتحدّيات، إذ يمكن "الحزب" أن يعطّل خطوة إسرائيل نحو البدء باستغلال "حقل كاريش"، لكن لا يستطيع تجنيب البلد مخاطر الردّ الإسرائيلي.

أصبح الهمّ الآن انقاذ ما يمكن إنقاذه. ومع اندفاع الجميع في منظومة السلطة، بما في ذلك "الحزب"، الى تجاوز الخط 29 و"امتيازاته" المفترضة، باتت حقوق لبنان محصورة بالخط 23. فهل هذا صحيح، وهل هذا نهائي، ومن يستطيع حسم الاشكال والجدل، أهو الجيش الذي قال كلمته العلمية والتقنية، أم السلطة السياسية التي تُرك لها القرار بالنسبة الى الترسيم، أم أن أي اتفاق متوقّع من المفاوضات سيبقي زاوية خلافية سرعان ما سمّيت "مزارع شبعا بحريّة" على غرار تلك "البرّية" التي شكّلت ولا تزال ذريعة يُبرَّر بها استمرار "المقاومة" وسلاحها غير الشرعي، بل ذريعة للهيمنة الإيرانية. كانت المزارع البريّة رُبطت بوثيقة أصرّ نظام بشار الأسد على حجبها ليمنع لبنان من إتمام ترسيم الخط الأزرق، أما "المزارع البحرية" فقد تتحوّل الى "وديعة إيرانية" تتقبّلها الولايات المتحدة لتسهيل مشاريع الثروة المائية لإسرائيل، وتشكّل استطراداً اعترافاً منهما بأن إيران هي الضامن لحسن سير "التطبيع" الغازي والنفطي مع لبنان. أما أين دولة لبنان فهذه مسألة أخرى، إذ أن وفدها سيفاوض من أجل إيران، برضاه أو على مضض.

المشكلة عند اللبنانيين أنهم لا يستطيعون الوثوق بأي جهة، لا الدولة بمن يمثّلها في قصر بعبدا ويعمل لمصالحه الخاصة أولاً، ولا "الحزب" الذي تنحصر أهدافه بتحقيق مصالح إيران ومشروعها. كان ممكناً أن يكون التفاوض "ندّياً" أو ما يشبه ذلك، بناء على اتصالات ووساطات اميركية استغرقت عقداً كاملاً، لكن تبيّن أن المعادلة ليست غازاً ونفطاً للطرفين، كما يُفترض أن تكون، بل انها صواريخ مقابل صواريخ. تهديدات حسن نصرالله مقابل تهديدات أفيف كوخافي. الأول يمكن أن يسجّل نقاطاً فوق ركام الخراب اللبناني لكن تعطيل مشروع استثماري إسرائيلي تدعمه اميركا يتطلّب حرباً لم يعد نصرالله و"حزبه" قادرين على تحميل لبنان تبعاتها وهو الباحث عن فتات مساعدات ليتمكّن فقط من البقاء. أما الآخر، الإسرائيلي، فقد أعدّ خططه ويمكنه أن يتحمّل التكاليف ولن تؤدّي أي حرب الى انهيار دولته ومجتمعه، كما هي الحال المتوقّعة للبنان.

(عن صفحته - فايسبوك)