جمهورية مقتدى الصدر

سياسة

تم النشر في 17 يونيو 2022

في وجه من رمى مقتدى الصدر استقالة كتلته النيابية؟ الهوية المعلنة لمن استهدفته الاستقالة هو الإطار التنسيقي الذي يضم تحالف الفصائل المسلحة مع نوري المالكي والاتحاد الوطني الكردستاني. هذا التحالف بجميع مكوناته قريب من إيران. أقربهم إليها هم الفصائل المسلحة، أو بالتعبير العراقي الفصائل الولائية، يليهم قرباً تكتل نوري المالكي، أو كما تسمي نفسها "تكتل دولة القانون"، ثم يأتي بعدها الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي ورثه أبناء جلال طالباني عنه، وتنازعوا عليه مع ابن عمهم لاهور، إلى أن آلت الزعامة أو ما تبقى منها إليهم.

السيد رمى الاستقالة إذاً في وجه طهران. فهي كانت تريد حكومة "وحدة وطنية" في أعقاب الانتخابات النيابية (على غرار رغبة جماعتها في لبنان، في أعقاب الانتخابات أيضاً، بحكومة محاصصة وطنية)، في وقت يريد هو حكومة غالبية نيابية.

الدلالات العراقية لخطوة الصدر تأخذنا إلى أن الرجل ابتعد خطوة إضافية عن طهران، بعد أن باشر خطوات مشابهة منذ سنوات. وهو اختار شعاراً لمسعاه شديد الدلالة على هذا الصعيد، يفيد بأنه لا يريد شركاء في الحكومة مرتبطين بأطراف غير عراقية. وعبارة "أطراف غير عراقية" لا تصيب إلا إيران طبعاً، لا سيما بعد أن انكفأ الأميركيون، وأشاحت الأنظمة العربية بوجهها عن العراق وعن أهله في أعقاب تصدر الشيعة فيه.

مقتدى الصدر أكثر من يجيد إدارة التوتر مع الإيرانيين، يرفعه بمنسوب نحسب أنه ذروة القطيعة، ثم يعود ويخفض هذا المنسوب تبعاً لحسابات أخرى. فهو يدرك أنهم لا يقطعون معه "شعرة معاوية"، ويدرك من ناحية أخرى أن التشيع العراقي لا تربطه علاقة ود مع نظيره الإيراني. والسيد يتحرك في هذه المساحة، فيذهب أحياناً في المواجهة إلى أقصى ضفتها، وأحياناً يستريح في وسطها فيمضي إجازات طويلة في قم وبين حوزاتها، أو في بيروت حيث للعائلة الصدرية موئلاً، وهو فيها لن يكون بعيداً عن أنظار "حزب الله".

منذ فترة والصدر يرفع منسوب المواجهة مع طهران. استثمر في هذه المواجهة في الانتخابات النيابية إلى أقصى الحدود، وهو ما أثمر أكبر كتلة نيابية في البرلمان العراقي. وبعد الانتخابات تحالف مع خصم طهران الأول في العراق، أي الحزب الديموقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، وكان أول من أدان قصف الحرس الثوري الإيراني لمدينة أربيل. وعندما باشرت جيوش طهران الإلكترونية وحشودها العسكرية حفلة تخوين وتشكيك ذهب بتأييد مشروع قانون تجريم التطبيع مع إسرائيل إلى أقصاه. كان ذلك جزءاً من رقصة تعلمها الصدر في صروح الحوزات التي تنقل فيها بين قم والنجف.

في التشيع العراقي ما يتيح ابتعاداً عن طهران غير متوفر في التشيع اللبناني. مقتدى استثمر في هذه الإمكانية، وطهران بدورها أكثر استيعاباً للاختلافات في مضامين التشيعين، وأكثر تقبلاً له من احتمال ابتعاد شيعة لبنانيين عنها. حين ابتعد العلامة اللبناني الراحل محمد حسين فضل الله عن ولاية الفقيه، شُنت عليه حملات في بيئة حزب الله. ليس لهذا الفعل نظير عراقي، لا بل أن المرجعية النجفية غير الملتحقة بولاية الفقيه لها نفوذ بين المؤمنين داخل إيران.

مقتدى الصدر هو أكثر من يمثل هذه الحساسية، وبالإضافة إليها يمثل أيضاً إرث والده الذي مد نفوذاً في أوساط العشائر الجنوبية وأفخاذها المتوطنة في محيط بغداد وعلى رأسه مدينة الصدر، وهو ورث أيضاً شيعة البعث. هذا النفوذ الواسع هو ما مكن الصدريين من الفوز في كل الانتخابات التشريعية على نحو تصاعدي، وهو إذا ما أضفنا إليه صدور مقتدى عن عائلة دينية تضرب بنفوذها في بؤر التشيع العراقي والإيراني واللبناني، فسنكون حيال زعامة لن يكون سهلاً على طهران الاصطدام معها.

اليوم قرر الصدر نقل مواجهته مع حلفاء طهران في بغداد إلى مستوى مختلف. يريد حكومة غالبية نيابية، أي أنه لا يريدهم في الحكومة. طهران غالباً ما تلتف على هزائمها الانتخابية عبر "موديل" حكومة الوحدة الوطنية، وهي وحدة تمكنها من النفاذ إلى القرارات الحكومية الرئيسة عبر ألعاب الثلث المعطل وما شابهها.

الصدر بعد فوزه بالانتخابات يريد الجمل بما حمل، وهذا ما لن تقبل به طهران، وفي نفس الوقت هي لا تستطيع افتعال صدام مباشر مع مقتدى ومع ما يمثله. اذاً العراق أمام استعصاء جديد. الانتخابات المبكرة قد لا تنتج مشهداً مغايراً. علينا إذاً أن ننتظر تنازلاً، لكن قد يطول انتظارنا.

المصدر: الحرة