بعد مسيّرات إيران: مواجهة أم ترسيم؟

سياسة

تم النشر في 7 يوليو 2022

عبدالوهاب بدرخان

قد تؤدّي التجاذبات الداخلية والخارجية حول ملف ترسيم الحدود البحرية الى مواجهة إيرانية - إسرائيلية لا يجني لبنان منها أي مصلحة، بل دماراً وبؤساً، في حين أن كلاً من طرفيها يمكن أن يحقّق فيها أهدافه. في مقابل استقدام إسرائيل سفينة استخراج الغاز وانتاجه من حقل كاريش، أرسل "حزب إيران/ حزب الله" ثلاث مسيّرات استطلاعية لرصد أنشطة السفينة. في الخطوة الإسرائيلية تجاوزٌ لأي تفاوض مع لبنان واستباقٌ لنتائجه، وفيها أيضاً تحدٍّ وانتهاكٌ لحقوقه. وفي العملية الإيرانية تجاهلٌ للتفاوض واستفزازٌ ظاهره الدفاع عن حقوق لبنان وباطنه تذكير بأن هذا البلد الواقع شرقي المتوسط بات في كنف إيران ولا بدّ من التعامل مع هذا المُعطى، بشكل أو بآخر.

كل الغاز والنفط في المتوسط، ومن خلال "المنتدى" المسمّى بهما، هو شأن أميركي بموافقة الدول المعنيّة باستثناء سوريا التي لم تُدعَ ولم تُسأل أصلاً وإلا لكانت تمثّلت بروسيا غير المحسوم وضعها المتوسطي لأنها تمانع حلاً سياسياً في سوريا وتقيم تحالفاً مع إيران. أما لبنان فتتوسّط الولايات المتحدة بينه وبين إسرائيل في هذا الملف، لكنها كالعادة ليست وسيطاً نزيهاً، فكل الخطوط التي تبنّاها مبعوثوها رُسمت بعناية الإسرائيليين وأطماعهم. ما ساعدهم في ذلك أن الجانب اللبناني لم يدِر التفاوض بعرض علمي واضح لحقوقه ولم يطلب دعماً عربياً وأوروبياً لما يعرضه، كما أنه لم يستفد من الحضور الأممي في التفاوض.

على رغم وجود خرائط يمكن الاعتماد عليها، وقوانين دولية تسهّل حلّ الإشكالات في الترسيم البحري، كانت هناك دائماً نقاط غامضة في الموقف اللبناني، وظلّت كذلك حتى بعد انتقال الملف وصلاحية التفاوض من جهة الى جهة. قيل في تفسير ذلك الغموض إن الأطراف اللبنانية كانت تبحث عن مصالح مباشرة في سياق مصلحة لبنان، وذُكر أيضاً أن هناك حقول غاز متداخلة تتطلّب ادارتها وجود كيانات أو شركات تُدخل لبنان في سياق "تطبيعي" لا يريده. وعدا التخبّط أخيراً بين الخطّين 23 و29، والرضوخ للأول بعد الإصرار لفترة على الثاني والإقرار بأنه أكثر علميةً وإنصافاً للحقوق اللبنانية، أمكن لـ "الوسيط" الأميركي ولإسرائيل الحُكم بأن لبنان أغرق الملف في تناقضاته الداخلية (التي ظهرت خصوصاً في اخفاقه في معالجة أزمته الاقتصادية - السياسية)، لكنهما لم يعتبرا ذلك سبباً كافياً لوقف إسرائيل مشاريعها، ولا لعرقلة الهندسة الاميركية لخريطة الطاقة المتوسّطية.

إلا أن إيران ترى الأمر من زاوية أخرى، وهي أن الاميركيين والاسرائيليين يمنحونها ذريعة وفرصة للتدخّل: لا اتفاق ترسيم مع لبنان قبل التقدم في مفاوضات الاتفاق النووي، إعمالاً لاستراتيجيتها العامة التي تمنع أي حلٍّ أو تسوية في لبنان وسوريا واليمن والعراق إلا بعد اعتراف أميركي دولي لإيران بنفوذ راسخٍ مدسترٍ في هذه البلدان. المسيّرات الثلاث التي أطلقها "حزب إيران" كانت تحذيراً تلقفه الاميركيون والإسرائيليون بجدّية، لكنهم لا يريدون اتفاق ترسيم مع إيران أو "الحزب"، بل مع الدولة، وإلّا فلا تفاوض. وإذ قالت الحكومة أن "أي عمل خارج إطار مسؤولية الدولة غير مقبول" فإنها تحاول الحفاظ على خيار التفاوض. هذا الموقف أثار جدلاً داخلياً حول "شرعية المقاومة"، ولم يقل أحد من أين جاءت هذه "الشرعية" أو لماذا تُطلق المسيّرات من دون علم الدولة، لكن إيران و"حزبها" زرعا قنبلة موقوتة تنذر بنسف المفاوضات، كما بمواجهة قد تبقى محدودة أو تتوسّع.

(عن صفحته - فايسبوك)