السعودية وأميركا: شراكة جديدة تحت الاختبار

سياسة

تم النشر في 18 يوليو 2022

عبدالوهاب بدرخان

أميركا لن تذهب الى أي مكان. ستبقى شريكاً نشطاً ومتعاوناً في الشرق الأوسط. لن تبتعد لتترك فراغاً للصين وروسيا أو لإيران. أميركا شريكة في ردع تدخلات إيران وملتزمة منعها من الحصول على سلاح نووي. أميركا تدعم الشراكات ودمج منظومات الدفاع الجوي، وتضمن أن تبقى دول المنطقة قادرة على الدفاع عن نفسها. أميركا تدعم النظام العالمي القائم على القانون الدولي، وترفض تغيير الحدود بالقوة، ولن تسمح للقوى الدولية بشلّ الاقتصاد العالمي... كانت هذه المواجز، أما التفاصيل فقد تأتي في الممارسة. وكانت هذه عناوين لبداية جديدة للعلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية، وبالتالي مع المنطقة. وبطبيعة الحال فهي ستبقى موضع اختبار، بعدما تيقّنت أميركا من أن الخليج يتغيّر وينفتح، ولا بدّ أن تتغيّر سياساتها لمطابقة الأفعال مع الأقوال، ولتمكين المنطقة من الخطو نحو استقرار دائم.

ساعات معدودة استغرقتها زيارة الرئيس الأميركي للسعودية، لكن الإعداد لها استهلك شهوراً من النقاش والاتصالات لتجاوز الفتور والتشنّجات. ففي إعادة تصويب العلاقة الأميركية - السعودية، كما بدت في البيان المشترك وكما شهدت قمم جدّة، كان الجديد نوعية الاتفاقات الثنائية الموقّعة، إذ جاءت منسجمة مع طموحات السعودية في مجالات الطاقة والتنمية والتكنولوجيا، ومع رؤيتها المستقبلية الى دورها وفاعليتها في الداخل كما في الخارج. هذه الاتفاقات أظهرت للجانب الأميركي أنه إزاء شريك إقليمي أعاد تعريف أهدافه وتحديدها ولم تعد أميركا أفقه الوحيد، بل انه يتحوّل ويبحث عن مصالحه في أي مكان، ولا بدّ من التعامل معه على هذا الأساس، بل لا بدّ من بلورة سياسة أميركية، بعقلية جديدة، كي تستقيم العلاقة وتُستدام، ليس مع السعودية فحسب، وإنما أيضاً مع ريادتها لمجموعة الدول العربية المعتدلة والوسطية في مقاربتها للعالم وللأفكار.

اعتاد الرؤساء الأميركيون أن يبدوا مآخذهم على الآخرين وأن يدعوا الى الامتثال للقيم الأميركية، لكن لم يسبق لأيٍ منهم أن سمع من يقول له إن هناك قيماً أخرى يجب احترامها، وإن أميركا نفسها ترتكب أيضاً أخطاء في مجال حقوق الانسان، كما لم يسبق أن وُوجه بفضائح التعذيب في سجن أبو غريب العراقي ولا بالتغطية الأميركية على جريمة اغتيال الصحافية شيرين أبو عاقلة برصاصة قنص اسرائيلية. ولعل تباين القيم تمثّل في ما سمعه الرئيس جو بايدن مباشرةً من مختلف القادة العرب عن قضية الشعب الفلسطيني، ومطالبتهم إياه بالعمل لتحقيق "حل الدولتين"، قد يكون لَفَته الى نقص فادح في ما سمّي "اعلان القدس" (الأميركي - الإسرائيلي) الذي اعتمد نصه على المبدأ التوراتي القديم "تيكُون أولام" الذي يعني "تغيير العالم" أو "إصلاحه"، لكن الطرفين المناديين به - من منطلق صهيوني أيديولوجي - لم يتمكنا من طرح فكرة واحدة لإنهاء الظلم التاريخي الحاصل على أرض فلسطين، بفعل الاحتلال الإسرائيلي، أو حتى لمراعاة "حقوق الانسان" العزيزة على الرئيس بايدن.

لم تتصدّر مسألة "ادماج إسرائيل في المنطقة" محادثات بايدن في السعودية، كما افترض الإسرائيليون وروّجوا، فلا الزائر ركّز عليها ولا أحد ممن جلسوا معه في القمة تبرع بالترحيب بها أو رفضها بالمطلق. بل جرى التذكير بأن هناك "مبادرة سلام عربية" لا تزال على الطاولة بنصّها وروحها، وكانت هذه المبادرة إقراراً مكرراً بأن الحرب انتهت بين العرب وإسرائيل، لكن الأخيرة لم تردّ بمبادرة مماثلة ولا بأي خطوة سلام تجاه الفلسطينيين. ولعل أهم ما سمعه الرئيس الأميركي، بلسان أكثر من زعيم عربي، أن مشاريع "الشراكة الإقليمية" لن تشقّ طريقها ما لم تتغيّر العقلية المعنية بالملف الفلسطيني، إذ أن الممارسات الأميركية والإسرائيلية لا تنفكّ تقدّم "الهدايا" الى إيران التي وضعت يدها على هذا الملف وراكمت قدرات كثيرة للتلاعب به.

قد يكون ابراز المسألة الفلسطينية فاجأ الجانب الأميركي، لكنه بدا منطقياً لأن بايدن جاء الى جدة من إسرائيل التي زارها ليبرّر زيارته للسعودية، كما يُفهم مما كتبه في "واشنطن بوست"، لكن الجميع يعلم في واشنطن ومختلف العواصم أن السعودية كانت وجهته الحقيقية ليس فقط لأن ادارته أدركت أخطاء سياستها تجاه دولة ارتبطت بصداقة مع اميركا منذ ثمانية عقود، بل أيضاً لأن حرب أوكرانيا عصفت بخرائط الأمن والطاقة والغذاء وبكل التوازنات في العالم وتستطيع السعودية (وليس إسرائيل) أن تكون عنصر توازن استراتيجي في أكثر من مجال، لكن بشرط احترام أمنها واستقرارها والتعامل معها بما تمثّله اقليمياً ودولياً.

كان واضحاً في البيان المشترك التزام الولايات المتحدة "القوي والدائم" بدعم أمن السعودية، لكن أيضاً "تسهيل حصولها على كل الإمكانات اللازمة للدفاع عن شعبها وأراضيها ضد التهديدات الخارجية". سبق أن أُغدق كلام الالتزامات الدفاعية في مناسبات كثيرة ولم تكتفِ به الرياض، إلا أنه يأتي هذه المرّة في ظروف مختلفة وفي سياق يمسّ المصالح الأميركية مباشرة. في المقابل لم يعد الشأن الأمني توفير "حماية أميركية" وانما عدم حجب "الإمكانات اللازمة" لتتكفّل السعودية ودول المنطقة الدفاع عن نفسها، إذ أنها لا تملك خططاً عدوانية ضد أي دولة أخرى. وبهذا المفهوم صيغ الموقف المشترك من عدوانية إيران و"ضرورة ردع تدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول، ودعمها للإرهاب من خلال المجموعات المسلحة التابعة لها، وجهودها لزعزعة أمن المنطقة واستقرارها"، وبالتأكيد منعها من الحصول على سلاح نووي. أما الجانب الأهم في الالتزامات الأميركية – السعودية فيكمن في تفعيل قوة المهمات البحرية المشتركة سواء لتأمين حرية الحركة التجارية وردع التهريب غير الشرعي الى اليمن أو لتعزيز الأمن الملاحي المشترك. أي أن أميركا باتت مستعدة لاعتبار شعار "إيران شرطي الخليج" شيئاً من التاريخ.

يعتبر مراقبون ومحللون أميركيون أن الرئيس بايدن لم يحصل على ما يريده في ملف الطاقة، لكن تقويمهم متأثّر بالسياسات القديمة حين كانت أميركا تفرض مصالحها على حساب الدول المنتجة. الواقع أن السعودية والامارات وغيرهما لا تتعامل مع حاجة أسواق النفط بمنحى ابتزازي أو بانحياز الى روسيا، بل أنها تتصرّف بمسؤولية إزاء "أمن الطاقة" العالمي، وهو ما سيتؤكّده في الأسابيع المقبلة، وطالما أن هناك تعاوناً فإن الجانب الأميركي لم يجد ضرورة لممارسة ضغوط. ثم أنه لمس أيضاً تلك "المسؤولية" بالنسبة الى الأمن الغذائي مع اعتزام "مجموعة التنسيق العربية" إضافة عشرة مليارات الى المليار دولار الذي قدّمه بايدن "لتلبية حاجات الأمن الغذائي الملحة على المديين القريب والبعيد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا".

(عن صفحته - فايسبوك)