القاضية والحاكم.. كنز الكوميديا المهدور

سياسة

تم النشر في 20 يوليو 2022

خسارة فادحة للكوميديا هذه المطاردة المستمرة بين القاضية والحاكم.

ومع أن اللبنانيين يملأون سماء منصات التواصل الاجتماعي ضحكاً، إلا أن الجهد المبذول عن غير قصد في إضحاكهم، كان يمكن الوصول به إلى أقصاه، لو تقاسم رياض سلامة وغادة عون بطولة مسلسل كوميدي قائم فقط على هذه الفكرة الوحيدة، لكن الخالدة في عالم الكوميديا: ضابط أخرق يطارد محتالاً ذكياً ويفشل دائماً في القبض عليه.

لن يحتاج السيناريست إلى خيال ليصنع الشخصيتين، وتناقضهما الضروري لإنجاح العمل. رياض وغادة يبدوان كما لو أنهما خلقا لمثل هذه الكوميديا. تناقضهما منهما وفيهما.

هو، رياض، ببرودته المطلقة، بملامحه الدقيقة ووجه البوكر والكلمات التي تخرج من بين شفتيه لا يفهمها أحد، إلا مارسيل غانم وشقيقه. يظل على نبرة الصوت نفسها، المعلومات التقنية المبهمة نفسها، الأرقام بالفواصل، الحجج الواهية، الثقة الغالية، العبارات المحشوة بالفراغ، لا يرفع حاجبيه استغراباً حتى، بينما الدولار يقفز قفزاته السوبرمانية، والودائع تتبخر، وتلوّح الحرب العالمية الأولى بمجاعتها ثانية على لبنان. مكويٌّ دائماً شكلاً ومضموناً، كأنه مصنوع من مادة مضادة للغبار والماء وعوامل الطبيعة. حاكم سرمدي لمصرف لبنان، مع أنه ليس الرئيس نبيه برّي.

هي، غادة، تمارس القضاء كأنها في مهرجان قروي تتنافس فيه على رفع جرن الكبة بيد واحدة، والمكابشة، وإطلاق أطول "أوف". في مداهماتها المستمرة، تكاد تكون الجنرال ميشال عون متنكراً بزي امرأة، يخوض غاضباً حروب تغيير العالم كما الأخلاق أيام التحرير والإلغاء. القاضية-الجنرال هذه، في نشاطها المفرط، تحيل صورتها إلى المحقق الأخرق الذي يقتحم غرفة يظن أن الهارب موجود فيها، محدثاً جلبة وطنية مبالغاً فيها، ثم ما يلبث أن يتعثر بالسجادة، فيسقط، ويسقط جنوده فوقه، وتقع المهزلة بأزهى صورها.

وجنود المحقق، في حالة القاضية عون، هم عناصر أمن الدولة، المساكين الذين لا تكف عن إحراجهم مرة بعد مرة في البحث عن رياض سلامة. فمن المعيب بحق جهاز لديه هذا الاسم الرنان، "أمن الدولة"، أن يذهب ليقبض على شخص ما، فيقرع على الباب، قبل أن يترك له ورقة على المقبض يكتب فيها: "جئنا ولم نجدكم. التوقيع: أ. د"، هذه كانت تفعلها عائلة العمة في زياراتها المفاجئة، قبل اختراع الموبايل والهاتف والحمام الزاجل. لا يفعلها جهاز مؤتمن على أمن الدولة كلها، وعاجز عن تحديد مكان مواطن مرة بعد مرة. جهاز يبقى انجازه الوحيد، حتى الساعة، تخليص لبنان من خطر الممثل زياد عيتاني واثبات تهمة العمالة الإسرائيلية عليه بالتعذيب.

والقاضية، في توريطها هذا الجهاز معها في عملياتها البوليسية، تمعن في تهشيم صورته المترهلة والثقة بقدرته على حفظ أي شكل من أشكال أمن الدولة، أي اسمه الحرفي ومبرر وجوده.

غادة ورياض. لم يدرك هذا الثنائي بعد أي كنز يرقد عليه لو ركز جهده في المكان المناسب. هما وصفة نجاح تامة تستميت نتفلكس من أجلها. تماماً مثل بينك بانثر والمفتش جاك كلوزو. كم كان مشهد مداهمة مصرف لبنان أحلى لو كان هكذا:

القاضية محاطة بجنود مذهولين مفتوحي الأفواه، ببنادق طويلة، يرتدون قبعة شارل ديغول، ولديهم شنباه الرفيعان، يتحركون خلفها. وهي عابسة، ترتدي معطف المحقق إياه، وتحمل المكبر باحثة عن الحاكم أسفل السجاد، وخلف صورة الرئيس ميشال عون، وفي الخزنة الكبيرة حيث أموال الدولة وذهبها، فلا تجد إلا زياد عيتاني.

وفي اللقطة الثانية، الختامية، نرى رجلاً لا نعرفه، على حافة سطح مصرف لبنان، حاملاً حقيبة صغيرة، يرتدي بزة رسمية وربطة عنق، ماشياً ببطء إلى جهة مجهولة، وخلفه يتمايل ذيل زهري طويل راقصاً على الإيقاع الرائع للموسيقى الخالدة: تا را، تا را، تارت ترت ترت ترت ترااا…

(جهاد بزي - المدن)