طهران - غزة - بيروت

سياسة

تم النشر في 12 أغسطس 2022

عبدالوهاب بدرخان

لماذا أطلق الإسرائيليون تحذيرات لـ "حزب إيران/ حزب الله" فيما كانوا يهاجمون "حركة الجهاد" في غزّة؟ لأنهم توقّعوا تدخّل "الحزب" لمصلحة "الحركة"، باعتبار أن المعركة كانت، بالمنظور الإسرائيلي، مع إيران عبر وكيلها الفلسطيني. لم يسبق لـ "حزب إيران" اللبناني أن دخل عملانياً على الخطّ في أيٍّ من المواجهات بين فصائل غزّة والعدو الإسرائيلي، حتّى في أكثرها سخونة في 2008 و2014 و2021. قيل الكثير عن مساندة لوجستية واستخبارية، لكن العبء الكبير ظلّ على الفصائل، والعبء الأكبر على غزّة وأهلها. فحتّى الآن لم يُرفع الدمار ولم تفِ الدول والجهات المتعهّدة بوعود إعادة الإعمار.

هذه المرّة استندت التحذيرات الإسرائيلية الى وجود أجواء حرب أو عملية ضخمة تستعد لها إيران، ولا يخفيها قادة "الحرس الثوري" و"فيلق القدس" أو قادة "الحزب" في لبنان، بل يحدّدون لها هدفاً: إزالة إسرائيل/ القضاء عليها بالضربة الحاسمة. وبهذا المعنى لا تبدو ادّعاءات إسرائيل مبالغة بأنها قامت بعملية استباقية خاطفة، إذ كانت كذلك عسكرياً واستخبارياً، واستُفردت فيها "حركة الجهاد" فاقدةّ العديد من قادتها وكوادرها بين قتلي في غزّة ومعتقلين في الضفّة الغربية. لكن قد تكون مبالغة ادّعاءات اسرائيل بأنها حققت مكسباً "استراتيجياً" بـ "الفصل" بين حركتي "حماس" و"الجهاد"، الى حدّ أن رئيس "الشاباك" طلب مبكراً وقف العمليات للحفاظ على هذا "المكسب".

هل انفصلت "حماس" فعلاً، وإلى أين ستذهب في هذه الحال، ومن سيسلحها ويموّلها ويؤمّن لها مقوّمات البقاء في حكم قطاع غزّة وادارته؟ هل باتت "الجهاد" منافسة قوية ومطالبة بـ "شراكة" أكبر في هذين الحكم والإدارة؟ هل تتصادم الحركتان كما يتمنّى الإسرائيليون وغيرهم من عرب وغير عرب؟ وهل غدرت "حماس" بـ "المقاومة" كما وصفها إعلام دمشق (بالنيابة عن إعلام طهران)؟.. كلّ ما في الأمر أن التيارات التي تتشكّل منها "حماس"، وفيها من يستمع الى نصائح مصرية وقطرية وتركية، لم تتوافق على تقدير موحّد يدفع بها الى معركة غير محدّدة الهدف "فلسطينياً" أو حتى "غزّياً"، وفي توقيت "إيراني" بحت. الأرجح أن ما حصل بين الأول من آب (اعتقال القيادي "الجهادي" في جنين) وسرعة العمليات حتى السادس منه (اعلان الهدنة)، باغت إيران و"حزبها" اللبناني في تخطيطهما لـ "المعركة الكبرى"، وبالتالي فإما أنهما يتفهّمان موقف "حماس" ولا يريان فيه غدراً ولا انفصالاً، أو يلتقطان وجود تغييرٍ ما في تصوّرها لدورها.

في كل الأحوال، لا تبدو إيران معنيّة بلبنان اللبنانيين ولا بغزّة الفلسطينيين - ولا بيمن اليمنيين أو سوريا السوريين وعراق العراقيين - بل بالأوراق التي تريد المساومة بها، لكنها لا تزال تفتقد الأطراف المستعدّة لمناقشة شروطها. لذا فهي عادت أخيراً الى المفاوضات النووية وتطالب بحسم عاجل للاتفاق بشروطها ملوّحة مجدّداً بـ "معركة لإزالة إسرائيل من الخريطة" استدراجاً للمساومات. وفي السياق لا يهمها أن يجازف "حزبها" اللبناني بإشعال حرب تحت شعار ضمان "حقوق لبنان" في ثروته البحرية، ولا بأن تتسبّب حركتها الغزّية بمزيد من الدمار. في المقابل، وطالما أن المواجهة صارت تحديداً مع إيران، فإن إسرائيل بدورها لا تهتم بسقوط ضحايا فلسطينيين مدنيين بينهم أطفال، ولن تهتمّ طبعاً بما قد يحدث من دمار في لبنان.

(عن صفحته - فايسبوك)