نتاج فتاوى القتل وإهدار الدم

سياسة

تم النشر في 17 أغسطس 2022

عبدالوهاب بدرخان

نأت إيران، كذلك "حزب إيران/ حزب الله"، بنفسيهما عن حادث الاعتداء على الكاتب البريطاني/ الأميركي سلمان رشدي، لكن خلفية الوقائع تؤكّد علاقتهما به، بشكل أو بآخر. فالموقف الرسمي لطهران، واحتفالات إعلامها وتغريدات ميليشياتها، لا يبرّآنها، إذ لم يجد ناطق وزارة الخارجية ضرورة للتذكير، مثلاً، بإعلان إيران عام 1998 أنها "لم تعد تدعم" فتوى أصدرها الامام الخميني عام 1989 وأهدر فيها دم الكاتب بذريعة اساءته للدين الإسلامي. بل ان الناطق عكس أي اتهام لإيران معتبراً أن المعتدى عليه ومن هم المسؤولون عن الاعتداء. وهكذا فإن المعتدي هادي مطر أخذ بهذه الحجة ليتبرّأ من تهمتَي الاعتداء والشروع في القتل، وهو ارتكب جريمته علناً وأمام جمهور.

أصبح واضحاً أن زيارة هادي مطر ليارون، بلدة والديه المنفصلين، كانت بداية غسل دماغه الذي استكمله أحد كوادر العقيدة في الولايات المتحدة لإعداد هادي وتسليحه بـ "تكليف جهادي" يبرر اهدار دم سلمان رشدي، ليس دفاعاً عن الإسلام الذي لم يتأثر بكتاباته ولا بكتابات مَن سبقوه، بل لنصرة نظام الملالي الذي يعتمد "ثقافة" القتل وإهدار الدم لإعلاء شأن الإسلام. الأكيد أن المعتدي هادي، كمئات ملايين المسلمين، لم يقرأ "الآيات الشيطانية"، بل استمع الى "رواية" عنها ممن كان أو كانوا "يطبخونه" ويعدّونه لمهمته. وتشكّل حال هادي مطر مثالاً نموذجياً لنتاج ما تُسمّى "ثقافة المقاومة" التي تعتبر أنها أنجزت في لبنان مراحل عدة من ترسيخ نفسها في بيئتها وعبر مدارسها، وبلغت الآن مرحلة اختراق مناهج التعليم وغزو المجالين التربوي والثقافي، سواء في فعاليات عامة كمعرض الكتاب أو في مناسبات دينية خاصة كإحياء ذكرى عاشوراء خارج بيئتها.

قضية سلمان رشدي تلخّصت في الغرب، منذ صدور الفتوى الخمينية، بأنها حملة "إسلامية" على حرية التفكير والتعبير، وهذا ما عبّر عنه قادة الدول وأهل الثقافة في استنكارهم الاعتداء على الكاتب. بعد أربعة وثلاثين عاماً على صدور رواية رشدي لم يخرج تأثيرها عن إطار الجدل بين مثقّفين غربيين قد تختلف مفاهيمهم للإسلام، لكنها لا تفرّط بحق التعبير الحرّ، لرشدي أو لسواه. وبعد هذه الرواية كُتب أو رُسم الكثير مما هو أسرع نفاذاً وأكثر تأثيراً، وجاء الردّ عليها (كما في الهجوم على مجلة "شارلي ايبدو" 2015 أو قتل المدرّس الفرنسي واعتداءات أخرى متفرّقة) ممن صنّفوا نتاجاً للإرهاب "الداعشي" أو "القاعدي"، ولم يُشَر الى تأثّرهم بفتوى الخميني بل الى فتاوى التنظيمين، وإنْ كان السند المرجعي واحداً. لذلك قد يبدو هادي مطر أشبه بأولئك الذين سمّوا "ذئاباً منفردة" تجري تعبئتها قبل إفلاتها.

عدا الدفاع عن حرية التعبير، والاعتراف لرشدي بإبداعيته الكتابية وعمق رؤيته السوسيولوجية، فإنه لم يشكّل حالاً فكرية استقطابية أو ارشادية في شؤون الدين أو السياسة. وخلال التظاهر والاحتجاج ضدّه، وبعدهما، كثرت الكتابات العربية والإسلامية عنه ممن لم يقرأوا روايته المؤثّمة أو سكتوا (وهم قلّة) بعد قراءتها. فمسألة حرية التعبير تُطرح، عربياً واسلامياً، من زاويا مخاتلة خشية المسّ بالمقدّس السياسي قبل الديني، أما "إهدار الدم" فيبدو أسهل إيرانياً لترهيب كاتبة سلسلة "هاري بوتر" جي كي رولينغ أو لتهديد الإعلامية ديما صادق.

(عن  صفحته - فايسبوك)