نساء لرئاسة لبنان.. "تهميش تاريخي" وتحذير من الوقوع في "الخطأ الكبير"

سياسة

تم النشر في 20 أغسطس 2022

تشتد سخونة المعركة الرئاسية في لبنان، كلما تقدم التاريخ بالبلاد نحو 31 أكتوبر 2022، موعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية اللبنانية الحالي، ميشال عون، فيما تحيط الضبابية بهوية الشخصية الأوفر حظا للوصول إلى سدة الرئاسة، في ظل الانقسام السياسي الحاد الذي يسيطر على البلاد.

وفي خضم التنافس والمشاحنات السياسية المرتبطة بالمعركة الرئاسية، تبرز استطلاعات رأي واستفتاءات شعبية وإلكترونية حول الأسماء التي يفضلها اللبنانيون، بهدف نقل مزاج الرأي العام في هوية الرئيس المقبل الذي من المفترض أن ينتخب عبر مجلس النواب اللبناني وفق ما ينص الدستور.

إلا أن اللافت في تلك الاستطلاعات كان بروز العنصر النسائي منافساً شرساً، احتل المراتب الأولى بين الأسماء التي انتقاها المشاركون لتولي سدة رئاسة الجمهورية، حيث تخطت بعض الأسماء النسائية، زعماء تقليديين مرشحين يحظون بشعبية عالية في لبنان، الأمر الذي عكس مزاجاً شعبياً يميل نحو منح المرأة اللبنانية فرصة لتولي سدة الرئاسة في البلاد.



ويزداد انخراط النساء في لبنان في الحياة السياسية، لاسيما بعد احتجاجات 2019 – 2020 التي سميت بثورة "١٧ تشرين"، حيث لعبت النساء دوراً محورياً في قيادة التحركات الشعبية، وتصدُّر المشهد الإعلامي والمطلبي المعبِّر عن الحراك الشعبي في حينها.

واستتبع ذلك بحضور متنام للنساء في الأحزاب السياسية الجديدة التي انبثقت عن الحراك، من ثم في المعركة النيابية التي شهدها لبنان في مايو الماضي، حيث سجلت الرقم الأعلى لعدد النساء المرشحات في تاريخ الانتخابات البرلمانية في لبنان.

إلا أن هذا الزخم لم يترجم صحة في التمثيل الجندري في مجلس النواب اللبناني، فعلى الرغم من ترشح 115 امرأة للانتخابات النيابية، نجحت ثماني نساء فقط في الوصول إلى المجلس الجديد، وهو ما يمثل نحو 6.4 في المئة فقط من مجمل المقاعد النيابية، وذلك بسبب معوقات ثقافية واجتماعية وسياسية، قد تنسحب أيضاً على حظوظ المرأة اللبنانية في الوصول إلى رئاسة الجمهورية.

"نريد رجلا..."

تتوقف رئيسة منظمة "فيفتي فيفتي"، جويل أبو فرحات، عند خطابات الزعماء السياسيين في الآونة الأخيرة، والتي يعددون فيها مواصفاتهم المطلوبة لرئيس الجمهورية المقبل.

وتلفت في حديثها لموقع "الحرة" إلى أن كافة الخطابات تقول "نريد رجلاً مناسباً..."، حيث تكررت هذه العبارة على لسان أكثر من شخصية، وهذه أولى المعوقات التي تتبرز في وجه المرأة اللبنانية وهي ذهنية الاختيار.

وتضيف أبو فرحات أن "المواصفات المفترضة يجب أن تنعكس في الصفات والمميزات وليس في الجندر، نحن بالنسبة لنا مثلا نريد شخصاً يتمتع بجرأة، والنساء يملكن هذه الجرأة، نريد رئيساً من خارج اصطفافات أحزاب السلطة وهنا تتوفر كثير من النساء المؤهلات من خارج المنظومة، يملكن الخطط الإنقاذية والقدرة على العمل عليها، إضافة إلى الدراية والمعرفة بما يجري عالميا وفي المنطقة من حولنا، وهذا الشق أيضاً متوفر، وبالتالي ما من عنصر يمنع وصول المرأة".

وتلفت رئيسة المنظمة الساعية لتحقيق المساواة في الحياة السياسية بين النساء والرجال، إلى أن "البلاد حالياً تحتاج لمن يعرف ويفهم حاجات الناس، المرأة أيضاً قادرة على تركيز عملها على حاجات الفرد وتنطلق منه إلى العامة، بعكس الرجال الذين دائما ما يأخذون الصورة العامة، وهذه نقطة مهمة جداً في الوضع الحالي الذي نعيش فيه، إذ أن السياسيين اللبنانيين اليوم في مكان، والشعب في مكان آخر".

"إذا ما نظرنا اليوم إلى المشهد السياسي، سنقول: بالتأكيد من الصعب أن تصل امرأة إلى رئاسة الجمهورية"، بحسب أبو فرحات، "ولكن إذا ما بذلت الكتل النيابية جهداً صغيراً في اختيار شخص من خارج المنظومة للنهوض بخطة تنقذ لبنان، يصبح هناك حظوظ كبيرة للمرأة اللبنانية بسبب وجود كثير من الوجوه النسائية المناسبة للعب هذا الدور وحمل هذا المشروع".



معوقات تقليدية

الإعلامية والناشطة السياسية، غادة عيد، والتي كانت مرشحة في الانتخابات النيابية، ورد اسمها بين الأسماء العشر الأولى التي اختارها المشاركون في استطلاعات الرأي، تقول في حديثها لموقع "الحرة" أنها تفاجأت بالاستفتاء الذي حمل اسمها، "لأن أحداً لم يسألني حوله، فجأة وجدت اسمي وارداً، اعتقد أنهم وضعوا أسماء كافة المرشحين والمرشحات من الطائفة المارونية وتأهل اسمي من بين الأسماء العشر الأول، وفق اختيارات المشاركين".

ويسود في لبنان نظام تحاصص طائفي للمناصب ومراكز السلطة في البلاد، حيث يحظى المسيحيون الموارنة حصراً بفرصة الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية فيما رئاسة مجلس الوزراء من نصيب المسلمين السنة، ورئاسة مجلس النواب من حصة المسلمين الشيعة، حيث يعتبر أي ترشح من خارج المحاصصة الطائفية لأحد تلك المراكز، خطوة "غير ميثاقية".

ترى عيد أنه لو كانت الانتخابات النيابية الماضية قد أفرزت تغييراً كبيراً، "بالتأكيد لكانت حظوظ المرأة بالوصول أكبر بكثير، بعكس الوضع القائم حالياً، لكون من يحكم ويتحكم بالبلد اليوم هي المنظومة التقليدية، التي تحكم البلد منذ عشرات السنين، وهم رجال".

وتضيف "المرأة اللبنانية قادرة بالتأكيد أن تكون رئيسة للجمهورية، ولكن للأسف إن لم تكن زوجة زعيم أو ابنة زعيم أو من كنف الزعيم السياسي فإنها لا تستطيع الوصول إلى سدة المسؤولية، وبالتالي لا أرى أن المرأة لا تصل لأنها امرأة، بقدر ما أرى أنها لا تصل إلا من داخل المنظومة الحاكمة وبموافقتها".

وتضرب عيد مثلاً بورود اسم نائبة رئيس التيار الوطني الحر والوزيرة السابقة، ندى البستاني، ضمن لائحة الأسماء النسائية الواردة في استطلاع الرأي، وتضيف "إذا كان لندى البستاني حظوظ بالوصول، لن يسمح لها جبران باسيل (رئيس التيار الوطني الحر)، المرشح والطامح للرئاسة بالوصول عوضا عنه، فيما دائما ما يحظى الرجال بالتوافق والتصويت داخل المجلس النيابي، بعكس النساء".

تهميش مستمر

عيد تشير إلى مشكلة تاريخية في نظرة المنظومة الحاكمة إلى المرأة، "رجال السلطة غير قادرين على تقبل فكرة على أنفسهم، ونلاحظ هذه النظرة والخلفية من تصرفاتهم، في المجلس النيابي مثلا، حين يقول رئيس المجلس نبيه بري لنائبة :'إنت اسكتي' هذا ينم عن تحقير للمرأة، وهذا يعكس المجتمع الذكوري والسلطوي الذي ما زلنا نعيش فيه، حيث المرأة حتى اليوم لم تأخذ حقها الكامل بالمساواة الفعلية مع الرجل، لا يزال حتى اليوم هناك تمييز قانوني وقوانين مجحفة بحق المرأة في لبنان".

ويمثل انخفاض نسبة مشاركة النساء في الحياة السياسية اللبنانية واقعاً تاريخياً في البلاد، فبينما أعطيت المرأة اللبنانية حق الاقتراع والترشح في مرحلة مبكرة من عمر الجمهورية اللبنانية، عام 1953، استطاعت امرأة واحدة عام 1960 دخول المجلس النيابي منذ استقلال لبنان عام 1943 وحتى انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1992، وهي ميرنا البستاني، التي وصلت إلى مجلس النواب خلفاً لوالدها، النائب إميل البستاني، بعد وفاته عام 1963، واستمرت في النيابة عاماً واحداً فقط.

تهميش النساء لا يقتصر على قلة عددهن في البرلمان وحسب، بل يتعداه إلى طريقة وصول معظم السيدات إلى القبة البرلمانية في تلك المرحلة، وذلك إما عن طريق وراثة الرجل في غياب أو صغر سن الوريث الذكر، كما كان الحال مع ميرنا البستاني ونايلة معوض ونهاد سعيد وصولانج الجميل ونايلة التويني، وإما عن طريق العائلية السياسية، كما هو الحال مع بهية الحريري وستريدا جعجع.

الانتخابات النيابية الماضية كسرت تلك النمطية التاريخية، حيث نجحت أربع نساء مستقلات ومن القوى التغييرية في الوصول إلى قبة البرلمان، وهن: بولا يعقوبيان وحليمة قعقور ونجاة صليبا وسينتيا زرازير. وفي المقابل كان للأحزاب التقليدية أيضاً أربع نساء، وهن: عناية عز الدين وندى البستاني وستريدا جعجع وغادة أيوب.

وتواجه النساء في البرلمان اللبناني ذهنية ذكورية حادة في التعامل معهن، حيث يتعرضن في كثير من الجلسات إلى التنمر والتلطيش والإيحاءات الجنسية، فضلاً عن الاستهزاء والاستخفاف بما يطرحنه، ومحاولات قمع وإسكات.

نظرة دونية

ويحتل لبنان المرتبة 18 بين الدول العربية لناحية عدد النساء في المجالس النيابية، بحسب أرقام الاتحاد البرلماني الدولي، في حين أنه من بين الدول العربية القليلة التي لم تخصص بعد كوتا نسائية في مجلسها النيابي ولا تفرض حصة نسائية على لوائح المرشحين في القانون الانتخابي.

وبسبب هذا الواقع، تركزت المطالبة في السنوات الماضية على تخصيص كوتا نسائية ثابتة العدد في المجلس النيابي اللبناني، وقد تقدمت جهات عدة بمشاريع واقتراحات قوانين في هذا الصدد تمايزت عن بعضها البعض في عدد المقاعد ونسبة التمثيل النسائي (ما بين 30 في المئة من المجلس، و20 و24 و26 مقعداً من أصل 128)، وذلك في سبيل التعويض عن التغييب التاريخي للمرأة عن التمثيل السياسي.

وفي هذا السياق ترى أبو فرحات أن هذه النظرة للمرأة العاملة في الشأن العام ستستمر طالما أن عدد النساء قليل في الحياة السياسية اللبنانية، "لو كان اليوم مثلاً لدينا 40 امرأة في المجلس النيابي، لما كان حصل ما نشهده اليوم، لكن ولكون عددهن قليل، لا تزال النظرة اليوم إلى المرأة بكونها أقلية وبكونها الحلقة الأضعف، وهذا لا يعكس الواقع".

من هنا تجد أبو فرحات ضرورة لإقرار كوتا نسائية، تدخل أكبر عدد ممكن من السيدات إلى مجلس النواب، "وهو ما سينعكس تمثيلاً للنساء في مجلس الوزراء، وفي مختلف المجالس المعينة والمنتخبة، وحينها تصبح حظوظ الوصول إلى رئاسة الجمهورية أعلى بكثير".

وتلفت إلى وجود "نظرة دونية" تجاه المرأة في العمل السياسي اللبناني، "بحيث ينظر إليها النظام التقليدي المنبثق عن الأحزاب التقليدية، نظرة عدم أهلية، في حين أنه لا يمكن إصلاح وضع البلاد بمكوّن واحد وهو الذكور، بينما يغيب عن المشهد نصف المجتمع الذي تمثله النساء، فكيف يمكن النهوض ببلد دون إعطاء فرصة لـ 50 في المئة من المجتمع، ودون إنصاف هذه الفئة حقوقياً وقانونياً وبالممارسة؟"

"يجب النظر إلى تهميش النساء في الحياة السياسية اللبنانية على أنه خلل وخطأ يجب إصلاحه"، تضيف أبو فرحات، وذلك "من خلال القانون المفروض على الجميع وليس عبر تغيير الذهنية الاجتماعية الذكورية، التي قد لا تتغير أو تتطلب وقتاً طويلاً، لا يمكن أن تنتظره المرأة للحصول على حقوقها".



"الخطأ الكبير"

وعما إذا كانت الأولوية اليوم لوصول المرأة أم وصول البرنامج الذي تحتاجه البلاد، ترى عيد أن الهدف اليوم ليس وصول أي امرأة من منطلق جندري، بل وصول الشخص المناسب، "وإلا نكون قد وقعنا في خطأ كبير، خاصة إذا كنا نؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة، فحتى الرجل إذا ما كان من خارج أحزاب المنظومة واتفاقاتها ومعاييرها لن ينال حظوظ الوصول إلى رئاسة الجمهورية".

وتضيف أن "وصول امرأة من داخل المنظومة والأحزاب التقليدية لا يعني وصولاً للمرأة اللبنانية، وإنما يبقى وصولاً للأحزاب التقليدية التي تمثلها، والتي اختبرنا عملها ونتيجته".

وتعاني النساء في لبنان أيضاً من تمييز في القوانين اللبنانية، إذ ليس بمقدورها مثلاً أن تمنح جنسيتها اللبنانية إلى أولادها إذا ما كانت متزوجة من أجنبي، بعكس الرجال الذين يستطيعون ذلك قانونياً.

كذلك تتعرض النساء في لبنان لجملة من القوانين والإجراءات التمييزية بحقهن في قوانين الأحوال الشخصية وقوانين الإرث التي تحرم النساء من ثروات عائلاتهم ويعطي النسبة الأكبر منها للرجل، مما يساهم في الحد من قدراتها المادية لصالح الرجل، وينعكس على قدرة انخراطها في الحياة السياسية.

بدورها تشدد أبو فرحات على أن "المهم اليوم هو المشروع، وليس الهدف إيصال المرأة لأنها امرأة فقط، ولكن بالتأكيد في لبنان اليوم كثير من النساء المؤهلات بخبرتهن ومشاريعهن وكفاءتهن للوصول إلى سدة الرئاسة، ويتمتعن بكافة المواصفات المطلوبة لهذا الدور".

وتضيف أن المطلوب من الجميع اليوم "التفكير بطريقة غير تقليدية، خاصة أن وضع البلد ما عاد يسمح بالذهنية السائدة، ويحتاج إشراك مزيد من الخبرات والكفاءات النسائية، لا سيما وأن تجارب النساء حول العالم أثبتت فائدتها، حيث أن أول تسعة بلدان نجحت في مواجهة جائحة كورونا وأوجدت لتأثيراتها حلول، هي البلدان التي تقودها سيدات، واليوم في لبنان ليس هناك أي معوق قانوني أو دستوري لوصول المرأة، بل معوق عقلي ذكوري".

المصدر: حسين طليس - الحرة