مئوية لبنان... أربعينية "حزب إيران"

سياسة

تم النشر في 24 أغسطس 2022

عبدالوهاب بدرخان

تمضي الأزمة الاقتصادية والمالية والسياسية والقِيَمية والأخلاقية في تصدّع لبنان الدولة والاستقلال والسيادة ودفعه دفعاً الى الانهيار، كما تشخّصه - رمزياً - صوامع المرفأ المدمّر بتساقطها حجراً تلو حجر، إيذاناً بالنهاية. في المقابل، تبدو هذه الأزمة بوضوح كأنها صُممت بعناية لتكون، أيّاً مَن كان مهندسها، أساساً لإنشاء "لبنان إيران" وصعود "حزب إيران/ حزب الله"... هذا ما حدث ويحدث على أرض الواقع، وما ينذر/ يبشّر به الأمين العام لذلك "الحزب"، مستخدماً كل الإشارات – من "الله مكلّفني" الى "الله مكلّفنا" - لإعلان أن مئوية "لبنان الكبير" (الذي ولد بفضل فرنسا) انتهت فعلاً ولا عزاء لمن يتفرّجون عزّلاً ويلقون العظات، وأن أربعينية "لبنان الحزب" (الذي ولد بفضل إيران) باتت هي مؤشّر "الكيان" الجديد ولا خيار فيه للمكوّنات كافةً سوى الرضوخ والاذعان.

لم يكن لـ "لبنان الإيراني" أن يوجد لولا إسرائيل، فهو مدين لاحتلالها جنوب لبنان (وكل احتلالاتها الأخرى) وللذريعة والحافز اللذين وفّرتهما لـ "تصدير الثورة" والتسلّح وخوض الحروب والاستيلاء على الدولة اللبنانية، ولتسلّم "الحرس الثوري" جبهات لبنان وسوريا وغزة. لم يشكّل العبث الإسرائيلي - الأميركي بما سمي "عملية السلام"، وإفشال استحقاقاتها في فلسطين وعموم الشرق الأوسط، إصراراً مبيّتاً على خذلان العرب فحسب، بل اندفاعاً الى منح إيران وحرسها وميليشياتها "هدية" استراتيجية تمتّعها بـ "النفوذ" وتمكّنها من إضعاف الدول والشعوب المحيطة بإسرائيل لئلا يكون هناك "سلام" (إلا بالصيغة المناسبة لإسرائيل) ولا تنمية أو استقرار. جُعلت المنطقة مشاعاً، ما لبثت روسيا أن استُدرجت اليه، والوقت وحده كفيل بإظهار ما كانت "الهدية" مسمومةً أم لا. تعتقد روسيا وإيران اليوم أن الشرق الأوسط رافدٌ أساسي لاستنباط "النظام الدولي الجديد"، مترافقاً مع أوكرانيا وتايوان.

بالنسبة الى لبنان، أصبح "حزب إيران" يقدّم الركام والأنقاض و"السياحة الجهادية" على أنها معالم سيطرة تامّة على بلد متوسطي، وعلى أنه نموذج متكامل للنفوذ الإيراني لم تتسنَّ لـ "الولي الفقيه" بعد رؤيته في سوريا ولا في غزّة ولا حتى في العراق على رغم كل الاختراقات، ولا في اليمن حيث لا يبدو الحوثيون سوى مجموعة عصابات. لبنان المهترئ المتهالك الموهن يتبدّى الآن كـ "جوهرة" الإمبراطورية الفارسية في انبعاثها الجديد. وكلّما خرب لبنان كلّما تألق "حزب" حسن نصرالله، إذ استطاع أن يغتني بإفقار البلد وأهله، وأن يصادر كل مفاصل السلطة، وأن يُخضع كل طائفة اعتماداً على انتهازييها ورعاعها. تبقى أمامه الآن مرحلة أخيرة: من اعتماد التهريب لتدمير الاقتصاد الى الاستئثار بورقة الغاز والنفط (بالحرب أو بالترسيم التفاوضي) للتحكّم بأي خطة لإنقاذ البلد واقتصاده.

ليس صحيحاً أن نصرالله، في ادارته مسألة ترسيم الحدود مع إسرائيل، لا يولي اهتماماً بمجريات المفاوضات في فيينا. لا يضرّه أن يظهر مالكاً قرار الحرب في لبنان، لكن الأصحّ أن طهران، مع اقترابها من توقيع اتفاق، هي التي تقرّر وفقاً لمتطلبات المرحلة التالية. قد تحتاج الى حرب واسعة لاستباق أي تحرّك إسرائيلي ضد الاتفاق، أو تجيز لـ "حزبها" أن يصعّد في حرب محدودة لن يكون هدفها تحسين شروط التفاوض والترسيم، بل تمكين "الحزب" من فرض "نظامه" في لبنان.

(عن صفحته - فايسبوك)