"المرشد" إذ يشعل الفتنة

سياسة

تم النشر في 1 سبتمبر 2022

عبدالوهاب بدرخان

الحدث العراقي يفرض نفسه لبنانياً بسبب أبعاده الإيرانية السياسية والمذهبية، وكثيرون من العراقيين يشيرون الى ما يحصل عندهم على أنه نوع من "اللبننة"، نسبة الى الاقتتال الأهلي - الطائفي، متناسين أعوام الصراع الطائفي - المذهبي الذي شهدوه مع ما رافقه من مآسٍ وضحايا وتغيير ديموغرافي وما كرّسه من "عرقنة" ما لبثت أن انتقلت الى سوريا لترفد نظام بشار الأسد بجرائمه ووحشيّاته.

تكمن الاسقاطات العراقية على الوضع اللبناني في تشابهات سبقت الإشارة اليها في عناصر الأزمة هنا وهناك وكثير من التفاصيل، خصوصاً في تهميش أتباع إيران للدولة، كما في العقلية التي تدير الصراع ولا تقيم أي اعتبار لدستور أو قانون، ولا تبجيل أو تقديس لديها إلا للسلاح، وبعدما عطّلت نتائج الانتخابات لتفرض التلاعب العلني بها (في العراق)، إذا بها تدّعي الآن وتتظاهر بأنها انما تتّبع "المسار الديموقراطي" وتحترم "التوازن" الذي قام عليه النظام، أي التوازن الذي يتيح للجميع امكان نهب الدولة وخيارات الفساد الممأسس. فـ "المنظومة" سيّئة السيرة والسمعة تكاد تكون واحدة.

وفي المقارنة أيضاً هناك مشكلة عراقية - كردية في اختيار رئيس للجمهورية، وهل يكون أقلّ أو أكثر إيرانيةً، كما هي المساومة بين "حزب إيران/ حزب الله" وحلفائه في لبنان. كذلك في اختيار رئيس للحكومة، وهل يكون أقلّ أو أكثر طواعيةً لـ "محور الممانعة" ولطهران بالتبرّع لها مباشرةً بشيء من الميزانية العامة، أو بتعزيز أتباعها ودفع رواتب ميليشياتها. ولما كانت الإمكانات لأي تبرّع معدومة في لبنان فإنه يكون بمزيد من التمكين والسيطرة لـ "الحزب" مع فتح خيارات مستقبلية له كي يتموّل محلياً لقاء "دفاعه" عن لبنان وتوفيره صواريخ ومسيّرات لـ "ردع" إسرائيل، بالإضافة الى تأمينه "قوة دعم" لإنجاح/ إفشال مفاوضات الترسيم البحري... ولا ترى إيران الجانب التخريبي لسياساتها، على رغم أنه بارز وواضح أمام العراقيين واللبنانيين والسوريين واليمنيين، بل تعتبره انجازاً قدّمت لأجله "تضحيات" واستثمرت فيه كثيراً من مقدّراتها، فمن "حقّها" بالتالي أن تستردّ مقابلاً له، كما تفعل في العراق وسوريا.

ربما تمتدّ المقارنات لتشمل بعض المصطلحات، كأن يصف السفير الإيراني في بيروت "مفتي الجمهورية" (لقبه الرسمي) بـ "مفتي أهل السنة في لبنان"، مثيراً شبح "فتنة" أو على الأقل شحناً مذهبياً لا داعي له في الوقت الذي يحاول زعيم "حزب إيران/ حزب الله" الإيحاء بأنه "عائد" (!) الى لبنان. لكن ما حصل في العراق كان أكثر شططاً، وأدّى فعلاً الى تفجير الصراع بين الصدريين والحشديين، بعدما نشر كاظم الحائري، المقيم في قم، رسالة يتخلّى فيها عن وظيفته كمرجع وريث معترف به للصدريين، ويدعوهم فيها الى "اطاعة" المرشد الإيراني علي خامنئي و"مرجعيته"، ناقضاً "قيادة" مقتدى الصدر لأنه "فاقد للاجتهاد" وبقية شروط "القيادة الشرعية". وردّ الصدر مشكّكاً بأن يكون اعتزال الحائري وما صدر عنه "بمحض" ارادته، ومؤكّداً أن مرجعيته في النجف وليست في إيران، لكنه خلص الى اعلان اعتزاله العمل السياسي. شكّل ذلك اشارة الانطلاق للصدريين في موجة أخرى من حراكهم، وإذ تحوّل لاحقاً الى اقتتال شيعي - شيعي، فقد بات مفهوماً بأن لخامنئي مسؤولية مباشرة في الفتنة.

(عن صفحته - فايسبوك)